أظهار المواضيع علي حسب الكلمات الدليلية: رمضان نبراس الحق: موقع يسعى لنشر رسالة الإصلاح في زمن الغربة. يضم مجموعة من الدروس والمحاضرات والخطب المنبرية المكتوبة والصوتية والمرئية. ﻷن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام.فهل سنبقَى نلعن الظّلام، ونحكم على الأنام ؟ أم نُضيء ما استطعنا من الشّموع، فتكون نبراسا للحقّ، هاديةً للخلق ؟ https://www.nebrasselhaq.com Wed, 04 Nov 2026 18:30:08 +0000 Joomla! 1.5 - Open Source Content Management ar-aa تذكير أهل الإيمان بعمل المسلم في رمضان (خطبة صوتية بين يدي رمضان 1429 هـ/ 2008 م) https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1199-تذكير-أهل-الإيمان-بعمل-المسلم-في-رمضان-خطبة-صوتية-بين-يدي-رمضان-1429-هـ/-2008-م https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1199-تذكير-أهل-الإيمان-بعمل-المسلم-في-رمضان-خطبة-صوتية-بين-يدي-رمضان-1429-هـ/-2008-م

 

 

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

تذكير أهل الإيمان بعمل المسلم في رمضان. 

كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أقبل شهر رمضان بشّر به أصحابه، فقد روى الإمام النّسائيّ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عزّ وجلّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ الجَحِيمِ،وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، للهِ فِيهِ لَيْلَةٌُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ )). 

قال ابن رجب رحمه الله في " لطائف المعارف ":" كيف لا يبشّر المؤمن بفتح أبواب الجنان ؟ كيف لا يبشّر المذنب بغلق أبواب النّيران ؟ كيف لا يبشّر العاقل بوقت يغل فيه الشّيطان ؟ من أين يشبه هذا الزّمانَ زمان ؟". 

فها هي إذن أبواب الجنّة ستفتّح بإذن الله بعد ساعات قليلة، فيقام سوقُها، وتتزبّن حورُها، فما على الخُطّاب إلاّ أن يعدّوا المهور، وما على التجّار إلاّ يعملوا لتجارة لن تبور .. 

من يُـرِدْ مُلك الجنـان *** فلْيدَعْ عنـه التَّوَانِـي 

ولْيَقُم فـي ظلمة اللّيـ *** ـلِ إلـى نور القـرآن 

وليَصِلْ  صومـاً  بصومٍ *** إنّ هـذا العيش فانـي 

إنّما  العيش  جوارُ اللـ *** ـه فـي دار الأمـان 

وكلمتنا إليكم معاشر المؤمنين إنّما هي وصايا نزفّها إليكم، لعلّها تشحذ هممنا إلى فعل الصّالحات واغتنام مواسم الطّاعات. 

 

]]>
خطب متفرّقة Fri, 29 Jul 2011 05:04:47 +0000
- تذكير أهل الإيمان بعمل المسلم في رمضان https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1198-تذكير-أهل-الإيمان-بعمل-المسلم-في-رمضان https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1198-تذكير-أهل-الإيمان-بعمل-المسلم-في-رمضان

خطبة بين يدي رمضان 1429 هـ/ 2008 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فيقول الله تبارك وتعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5]، قال ابن عبّاس رضي الله عنهما:" أيّام الله نِعَمُه وأياديه "، وقال غيره:" ببلائه ونعمائه ".

وإنّ من أيّام الله تعالى الّتي ينبغي تذكّرها وتذكير النّاس بها، وأن تقبل النّفوس والقلوب إليها: شهر كريم، وضيف عظيم ..

إنّه شهر رمضان، شهر الصّيام، وموسم العبادة والقيام.

وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أقبل شهر رمضان بشّر به أصحابه، فقد روى الإمام النّسائيّ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عزّ وجلّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ الجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، للهِ فِيهِ لَيْلَةٌُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ )).

قال ابن رجب رحمه الله في " لطائف المعارف ":" كيف لا يبشّر المؤمن بفتح أبواب الجنان ؟ كيف لا يبشّر المذنب بغلق أبواب النّيران ؟ كيف لا يبشّر العاقل بوقت يغل فيه الشّيطان ؟ من أين يشبه هذا الزّمانَ زمان ؟".

فها هي إذن أبواب الجنّة ستفتّح بإذن الله بعد ساعات قليلة، فيقام سوقُها، وتتزبّن حورُها، فما على الخُطّاب إلاّ أن يعدّوا المهور، وما على التجّار إلاّ يعملوا لتجارة لن تبور ..

من يُـرِدْ مُلك الجنـان *** فلْيدَعْ عنـه التَّوَانِـي 

ولْيَقُم فـي ظلمة اللّيـ *** ـلِ إلـى نور القـرآن 

وليَصِلْ  صومـاً  بصومٍ *** إنّ هـذا العيش فانـي 

إنّما  العيش  جوارُ اللـ *** ـه فـي دار الأمـان

وكلمتنا إليكم معاشر المؤمنين إنّما هي وصايا نزفّها إليكم، لعلّها تشحذ هممنا إلى فعل الصّالحات واغتنام مواسم الطّاعات.

الوصيّة الأولى: فنذكّر أنفسنا وإيّاكم بشكر الله تبارك وتعالى.

يقول الله تعالى:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} [البقرة:152].. أن تَشْكرَ الله تعالى الّذي وفّقك لبلوغ هذا الشّهر.. شهر الصّبر، شهر الطّاعة والشّكر، شهر الإنابة والذّكر ..

فكم من قلوب اشتاقت وحنّت للقاء هذا الشّهر فانقطع بها القدر، وزال عنها الأثر .. صاروا اليوم في القبور واللّحود، وما عادوا من أهل الوجود ..

وكم مـن أناس رأيناهم *** تفانوا فلم  يبق منهم قريب

وصاروا إلى حفرة تحتوي *** ويُسلم فيها الحبيبَ الحبيبُ

لقد أراد الله تعالى لك - أيّها العبد - أن تكون هذه السّنة ممّن يزدادون تقرّبا منه تعالى بصوم شهر رمضان وقيام ليله .. ولو قيل لأهل القبور: تمنّوا، لتمنّوا يوما من رمضان ..

ويشبه ذلك ما رواه الطّبرانيّ في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّ بقبر فقال: (( مَنْ صَاحِبُ هَذَا القَبْرِ ؟)) فقالوا: فلان، فقال: (( رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ )).

فإذا كان هذا حال ركعتين فقط، فكيف بأيّام نهارها صيام، وليلها قيام، نهارها ذكر وخضوع، وليلها تهجّد وخشوع ؟!

وأضع هذا الحديث بين يديك، حتّى تتذكّر نعمة الله تعالى عليك، فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال:

" كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ مِنْ قُضَاعَةَ، أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً، قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ ! فَأَصْبَحْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: (( أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ سَنَةِ ؟!))..

لذلك كان الصّحابة والتّابعون يسألون الله تعالى وصوله وبلوغه ..

قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله:" كان من دعائهم: اللّهمّ سلِّمني إلى رمضان، وسلِّم لي رمضان ".

ثمّ تذكّر إخوانك، وقد أصيبوا بالأوجاع والأسقام، والأمراض والآلام، تراهم على الأسرّة البيضاء، كأنّهم في وهج الرّمضاء .. حال المرض بينهم وبين الصّيام ..وحال الوجع بينهم وبين القيام، ثمّ انظر إلى جسدك وأنت ترفُل في نعمة من الله عليك ..

فتذكّر يا من أدركت هذا الشّهر أنّك في نعمة من الله إليك أسداها .. ومنّة منه عليك أولاها .. فالهج بلسان الحال والمقال شاكرا للكبير المتعال، عندئذ ترى أنّ الله ربّ العبيد، قد آذنك بالمزيد:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7].

الوصيّة الثّانية: تعرّضوا إلى نفحات الله تعالى.

وقد أُثِر عن السّلف قولهم:" إنّ للهِ في أيّامِ الدّهرِ نفحاتٍ فتعرّضوا لها، فلعلّ أحدكم أن تصيبَه نفحةٌ فلا يشقى بعدها أبدا ".

هداية لا ضلال بعدها .. رُشد لا غيّ بعده .. عمل لا انقطاع عنه ..

فكم دخله من بعيد فقرّبه الله .. وكم دخله من مسيء فتاب عليه الله .. كم دخله من محروم فأعطاه الله .. كم دخله من طريد فآواه الله .. كم دخله من فقير فأغناه الله .. شهر وأيّ شهر ؟!

ومن أراد أن تمسّه مثل هذه النّفحات: فعليه أن يعزِم على العمل الصّالح، والبعدِ عن كلّ عمل طالح .. فإذا وضعت قدمك على عتبة هذا الشّهر، فاعقِدْ النيّة والعزمَ على أن تكون من السّابقين، فما نوى ذلك أحد إلاّ وفّقه الله.

وتخيّل - ولعلّه الواقع - أنّه آخر شهر في حياتك، كما هي وصيّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأهل الصّلاة: (( إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ )) [رواه أحمد وابن ماجه عن أبي أيوّب رضي الله عنه]، فصُم شهرك هذا صومَ مودّع.

وقد اجتهد أبو موسى الأشعريّ رضي الله عنه قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرّفق ؟ فقال: إنّ الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأسَ مجراها أخرجت جميع ما عندها، والّذي بقي من أجلي أقلُّ من ذلك. قال: فلم يزل على ذلك حتّى مات.

وقال مورق العجليّ رحمه الله: ما وجدت للمؤمن في الدّنيا مثلاً إلاّ مثل رجلٍ على خشبة في البحر، وهو يقول: يا ربّ ! يا ربّ ! لعل الله أن ينجيه.

وعن أحمد بن حرب قال: يا عجبًا لمن يعرف أن الجنة تُزيَّن فوقه والنار تُسَعَّرُ تحته كيف ينام بينهما ؟

ومن أعظم الأعمال الصّالحة الّتي لا بدّ من الحرص عليها:

1- تجديد التّوبة إلى الله تعالى ..

إنّ الله تعالى قد فرض على عباده التّوبة في أكثر من آية، فقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التّحريم من:8]. وقال سبحانه:{وَأَنِـيبُواْ إِلَى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}، وقال تعالى:{وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

2- الصّيام على مراد الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم:

فإنّ ثوابَ الصّيام لا يحصيه عدّ، ولا يحويه حدّ، وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم:

( قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ )).

فكفاه فضلا أنّه كفّارة للذّنوب .. كفاه فضلا أنّه يأتي شفيعا لأهله يوم القيامة .. كفاه فضلا أنّ جُنَّة يستجنّ بها من النّار .. كفاه فضلا أنّه يُدخِل صاحبَه الجنّة .. كفاه فضلا أنّ لأهله بابا خاصّا في الجنّة لا يدخل منه سواهم.

ولكن .. هذا الفضل لا يناله كلّ صائم، فكما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ والعطش، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ )).

ولتدرك هذه الحقيقة تأمّل معي تتمّة حديث أبي هريرة السّابق: (( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ )).

( لا يرفُث ): أي: لا يقل الكلام البذيء الفاحش القبيح .. ( ولا يصخب ): لا يرفع صوته ويصيح ..

وأين رفع الصّوت بجانبِ منكراتٍ كثيرة قد يزاولها كثير من الصّائمين ؟! كالنّظر الحرام إلى النّساء الكاسيات العاريات.. والعارضات والممثّلات.. كسماع المغنّين والمغنّيات.. كاللّهو بالنّرد والورق !

أترضى أن يعود النّاس بالثّواب والأجور، ثمّ تعود أنت بالويل والثّبور ؟!

ثمّ أين كلّ ذلك بجانب الكذب والغشّ والخيانة ؟ ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )).

وروى ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه قال:" ليس الصّيام من الطّعام والشّراب، ولكن من الكذب والباطل واللّغو والحلف".

وروى أيضا عن جابر رضي الله عنه قال:" إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم صيامك ويوم فطرك سواء ".

وروى أيضا عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال:" إذا صُمت فتحفّظ ما استطعت ".

وروى ابن أبي الدّنيا في " كتاب الصّمت " عن عبيدة السّلماني قال: " اتّقوا المفطِّرين: الغِيبة والكذب ".

ثمّ اسأل نفسك بعد ذلك: أين كلّ ذلك بجانب ترك الصّلاة ؟ فالله المستعان

الخطبة الثّانية:

فمن جزيل الأعمال الّتي على المسلم أن يحرص عليها هذا الشّهر:

3- الإكثار من تلاوة القرآن:

فهو شهر القرآن، قال تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: من الآية185] أي: ما شرعنا صيامَه إلاّ من أجل إنزال القرآن فيه، ويؤكّد ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يعارض جبريل القرآن كلّ سنة مرّة في رمضان.

وعلى ذلك سار السّلف الصّالح، فكانوا يُكثرون من تلاوة القرآن في رمضان:

كان الزّهريّ رحمه الله يقول إذا دخل رمضان:" إنّما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطّعام ".

وكان الإمام مالك رحمه الله إذا دخل عليه رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس التّعليم وأقبل على قراءة القرآن.

وكان قتادة يختم القرآن كلّ سبع ليال دائما، وفي رمضان يختمه كلّ ثلاث ليال.

4- الإكثار من الصّدقة:

روى البخاري ومسلم عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنه قال:" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ عليه السّلام، فَلَرَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ".

وفتح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في رمضان سباقا لهذا الجود، فدلّنا على سبيل يمكنك من خلاله أن تصوم رمضانين في رمضان واحد!

فقد روى التّرمذي وغيره عن زيدِ بنِ خالدٍ الجهنِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا )).

وكان كثير من السّلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وداود الطّائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر رضي الله عنه لا يُفطر إلاّ مع اليتامى والمساكين، وإذا علم أنّ أهله قد ردّوهم لم يفطر معهم تلك اللّيلة.

وكان من السّلف كالحسن وابن المبارك من يدعو المحتاجين فيطعمهم وهو صائم ويجلس يخدمهم ويروّحهم.

وقال أبو السوّار العدويّ: كان رجال من بني عديّ يصلّون في المسجد ما أفطر الواحد منهم وحده قط، فإن وجد من يأكل معه، وإلاّ أخرج طعامه إلى المسجد فيأكله مع النّاس.

وعلى المسلم أن يتذكّر إخوانا لنا في الإسلام .. تذكّروا الأرامل والأيتام .. تذكّروا أحشاء ظامئة .. وبطونا جائعة .. فإنّ ما تشعر به من الجوع والعطش أيّاما، يشعر به هؤلاء أعواما ..

وتذكّروا أجسادا عارية ..تذكّروا أبا وأمّا لا يجدون ما يدخلون به السّرور على أطفالهم .. يكبّر للصّلاة ويأتيه طيف الحاجة .. هل من معين ؟ هل من مواسٍ للمعوِزين ؟

ويزداد ألمه، ويشتدّ سقمه إذا تذكّر أنّ من بخل عليه في رمضان، فإنّه لن ينظر إليه في غيره !

ألا فلتتحرّك أيدي الجود والسّخاء .. بالإنفاق والعطاء .. فكم من ساقٍ جرعةَ ماء لوجه ربّ الأرض والسّماء، وقاه الله شرّ يوم اللّقاء:{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12)} [الإنسان]..

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ، حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ )).

هذا سقى كلبا طريدا، فكيف بمن أطعم عبدا أسلم لله توحيدا وتمجيدا ؟!

5- قيام الّيل:

فقيام اللّيل من أعظم ما تقرّب به الصّالحون، وأشرف ما يبتغيه المؤمنون، فيكفي أنّه أفضل صلوات النّوافل؛ فقد روى مسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: (( أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ ))..

وهو من أعظم السّبل لشكر الله تعالى على نِعمه؛ فقد روى البخاري ومسلم عن المغيرةِ رضي الله عنه قال: قَامَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ ! فَقِيلَ لَهُ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟! قَالَ: (( أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ))..

فكيف إذا كان المسلم يؤدّي هذه العبادةَ في بيت الله أحسن البلاد .. مع جماعة المسلمين أحسن العباد .. في شهر من أفضل الشّهور وهو شهر الصّيام ؟! لا جرم أن قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).

ونرى لزاما علينا أن نذكّر إخواننا وأخواتِنا أنّه ينبغي لمن أراد أن يُكتبَ له قيامُ ليلةٍ كاملةٍ أن يُكمل الصّلاة مع الإمام إلى الوتر، فقد روى التّرمذي والنّسائي عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ )).

6- العمرة:

ومن النّفحات الّتي يُدعى المسلم إلى أن يتعرّض لها: عمرةٌ في رمضان؛ فقد روى البخاري ومسلم عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنه قال:

قال رسول اللهِ صلّى الله عليه وسلّم لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: (( إِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي )).

فهنيئا لك أيّها المسلم بحجّة مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

7- الإكثار من الدّعاء والاستغفار:

يقول الله تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186].

فابحث عن موقع هذه الآية من القرآن، تجدها بعد آية الصّيام، وذلك ليدلّنا المولى أنّ أيّام هذا الشّهر الكريم أيّام دعاء واستغفار، فإن غفلت عن الدّعاء فلا تغفلنّ عن وقت الإفطار والأسحار.

أمّا وقت الإفطار فلقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً لاَ تُرَدُّ )).

وأمّا وقت الأسحار فلأنّ المولى أقرب ما يكون من عبده وقت السّحر، فينزل إلى السّماء الدّنيا فينادي: (( هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟)).

الوصيّة الثّالثة: احذر قطّاع الطّريق.

أرى لزاما عليّ أن أذكّرك - ونحن بين يدي شهر الخيرات وموسم الطّاعات - أنّ في البشر كثيرا من قطّاع الطّرق، يصدّون الخلق عن خالقهم، ويضلّونهم عن سبيل رشادهم وهدايتهم.

يمكنك أن تشبّههم بأيّ شيء: شبّههم بأنّهم خلفاء للّذين صفِّدوا من الشّياطين، إلاّ أنّ هؤلاء من ماء وطين.

شبّههم بأصحاب الأخدود الّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات عن صراط الرّحيم الودود.

لا نزال نراهم في الصّحف والمجلاّت .. في الشّوارع والطّرقات .. في الإذاعات والشّاشات .. يعِدُون ويبشّرون، ويدعون النّاس إلى قضاء أتعس الأوقات، والتنجّس بمتابعة السّهرات والحفلات .. والعجيب أن تنطلي هذه الإغراءات على أغلب الفئات ..

عباد الله .. إنّنا لسنا أمّة تحرّكها النّكت والتّسلية .. وتخسر سبل الجنّة لأجل الضّحك والسّخرية .. حياتنا أغلى بكثير من أن نتركها بأيدي الحمقى والمهرّجين.

يعرض عليهم ربّهم أعظم سلعة وبضاعة، ويدعوهم إلى اغتنام سبل الشفاعة .. يعرض عليهم العمل في شهر لا كالشّهور، الذّنب فيه مغفور .. ولكنّهم آثروا سلعة غيره، وحرموا أنفسهم من خيره .. استبدلوا سبل الفلاح والمفاز .. باللهو واللّغو في التّلفاز .. استبدلوا سبل الخيرات بالقنوات والمقعّرات ..

إنّهم استجابوا لمن قال تعالى فيهم:{أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: من الآية221].

أخي الكريم .. هذه وصايا أسأل الله أن تصل إلى قلبك، فمدّ يديك إلى ربّك .. وتب إليه واستغفر لذنبك ..

يا زارع الـخير تحصـد  بعده ثـمرا *** يا زارع الشّر موقوف على الوهن

يا نفس ويحك تـوبي واعملي حسـنا *** عسى تجازين بعد الموت بالحسـن

]]>
خطب متفرقة Mon, 08 Jun 2015 00:00:00 +0000
- جدِّد حياتَك في رمضان https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1183-جدِّد-حياتَك-في-رمضان https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1183-جدِّد-حياتَك-في-رمضان

إنّ من فضل الله تعالى على أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم: أن جعل لها مواسِمَ للخيرات، تتهيّأ فيها النّفوس إلى عمل الصّالحات، وتُقبِل فيها القلوب على الله راجية أن تنال عفوه ورضاه.

ومن أعظم هذه المواسم: شهر رمضان المبارك، الّذي شرع الله لنا فيه الصّيام، وجعله لنا فرصةً لتغيير أخلاقنا، وسلوكنا، وتجديد علاقتنا بربّنا سبحانه.

ولا شكّ أن التّغيير نحوَ الأفضل مطلبُ كلّ مسلم، لكنّه لا يُنالُ بالتمنّي، بل بالسّعي إليه، ومجاهدة النّفس، ولزوم سنّة الله تعالى في التّغيير، وقد قال عزّ وجلّ:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرّعد:11]. 

 

فيا أيّها المسلم، إنّ شهرَ رمضان فرصةٌ مواتيةٌ للتّغيير، وإصلاح النفوس والقلوب، وتطهيرها من الآفات والعيوب، وكيف لا يكون فرصةً مواتية للإصلاح والتّغيير وكلُّ شيء في هذا الكون العظيم يتغيّر ؟! إذ تفتح فيه أبوابُ الجنّة، وتغلّق أبواب النّار، وتصفِّد الشياطين، وتنزل البركات والرّحمات والخيرات في كلّ ليلة من لياليه، وخاصّة ليلة القدر الّتي تتنزّل فيها ملائكة الرّحمن حتّى تملأ الدّنيا !؟

وهذا التّغيير قد أراده منّا ربّنا عزّ وجلّ؛ إذ قال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]، فهو تغيير نحو تقوى الله عزّ وجلّ .. تغييرٌ لحال العبد الإيمانيّة نحوَ الأفضل، وفي أحواله العباديّة نحو المعالي.

والتّقوى: اسمٌ جامعٌ لمعانِيَ كثيرةٍ، جِماعُها: طاعة الرّحمن سبحانه، وخشيتُه في السرّ والعلن، وتفصيلُ معاني هذا التّغيير والتّجديد فيما يأتي:

1- إنّ شهر رمضان شهرُ إصلاح القلوب:

إصلاحُها من أمراض الحسد، والحقد، والغشّ، والخيانة، والشّحناء والبغضاء، ومن التّهاجر، والتّقاطع، وعودتها إلى فطرتها الحقيقة؛ وقد جاء في الحديث: (( صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ )) [أخرجه البزار وصححه الألباني].

و( وَحَرُ الصَّدر ): غِشُّه، ووساوسُه، وقيل: الحقد والغيظ، وقيل: العداوة.

وإن لم يظهر منّا ذلك في أثناء الشّهر، فليظهرْ على الأقلّ في آخره، عندما يُهنِّئُ بعضُنا بعضاً بالعيد، ويعفو كلّ أحد عن أخيه، قال عزّ وجلّ:{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النّور:22].

2- إن شهر رمضان شهر إصلاح الألسنة وتطهيرها:

لأنّه بالصّيام يَسْلَمُ اللّسانُ من قول الزّور، ويسلمُ من العمل به، ويسلمُ من اللّغو واللّعن والغِيبة والنّميمة، وكلِّ أنواع الباطل، قال صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )) [رواه البخاري].

فالعبدُ المؤمن يتعوّد في هذا الشّهر الكريم - بفضل رقابته لله عزّ وجلّ - على أن لا يتكلّم إلا بخير، وإلاّ بما فيه صلاح، كما قال عزّ وجلّ:{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النّساء:114].

3- إنّ شهر رمضان فرصةٌ للتخلّص من خلق الشحّ والبخل والأنانية:

وذلك أنّ الصّائم يُكثِر فيه من الصّدقات إقتداءً بالمصطفى صلّى الله عليه وسلّم، الّذي كان أجودَ النّاس، وكان أجودُ ما يكون في رمضان، والمسلم الّذي لا يغرق في الملذّات في هذا الشّهر يجدُ نفسَه يشعر بجوع الجائعين وبؤس البائسين وحاجة المحتاجين، ويتجسّد فيه قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى )) [رواه مسلم].

4- إنّ رمضان فرصةٌ لمن كان مفرطاً في صلاته: أو متهاونا في أدائها، وأن يواظب عليها في أوقاتها مع الجماعة في المسجد.

إذ لا يُعقَل أن يعتنِيَ العبدُ بالصّوم وهو مضيِّعٌ للصّلاة، وهي الرّكن الأوّل للإسلام، وهي أوّلُ ما يحاسَب عليه العبدُ يوم القيامة، فإذا صلَحت صلَح سائرُ عمله، وإذا فسدت فسد سائرُ عمله بما في ذلك الصّيام !

ولا يُعقَل أن يحرِص العبد على صلاة التّراويح الّتي هي نفلٌ، ثمّ بعد ذلك يُضَيِّع الفرائض الواجبات.

نعم، رمضانُ فرصةٌ لتصحيح العبادات وتجديد العهد مع الله، لكن مع الإخلاص، والعزم على الثّبات، والمداومة حتّى بعد رمضان وإلى الممات، قال تعالى:{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99].

5- إنّ شهر رمضان شهرُ تنميةِ العزيمة، وتقوية الإرادة:

لذلك هو فرصةٌ لمن يتعاطى الحرام، من خمرٍ أو دخان أو مخدّرات، أو أيّ عادة سيّئة أن يُقلع عنها؛ وذلك أنّه يجاهِدُ نفسَه حالَ صيامه مهما طال نهارُه، وربّما كافحَ نفسه شهرا كاملا، وذلك حجة بيِّنة يشهد بها على نفسه أنّه قادرٌ على ترك تلك المعاصي أو العادات السيئة.

وكم من إنسانٍ كان شهرُ رمضان نقطةَ تحوُّلٍ مهمّة في حياته، فترك هذه السّمومَ والشّرورَ، بل تغيّرت حياتُه كلّها، فصار من أهل الطاعة والاستقامة، ومن رُوّاد بيوت الله تعالى.

6- وشهر رمضان هو شهر العودة إلى الحجاب بالنسبة لكثير من الفتيات المسلمات الطيبات:

وذلك أنّ الفتاة المسلمة العفيفة في هذا الشّهر المليءِ بالطّاعات والنّفحات الإيمانيّة، تصطحب مراقبة الله تعالى، وتستعظِمُ أنْ تَفْتِنَ الصّائمين، وترجعُ إلى رشدها، وتنيب إلى ربّها، فتستُرُ عورتَها، وتندِم على ما سلف من أيّامها، وإنّ شعورَها بعظيمِ ذنبها يجعلُها تسارع إلى ربّها، وتعزم على الثبات على لباس العفّة والحياء.

7- إنّ شهر رمضان شهرٌ يرجع فيه النّاس إلى القرآن الكريم:

يرجعون إلى تلاوته، وتدبّر معانيه وقراءة تفسيره، ولا شكّ أنّ ذلك يدعو إلى تغيُّرٍ كبير في قلوب العباد وسلوكهم وإيمانهم، قال الله عزّ وجلّ:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9].

وهو أيضا شفاء ودواء كما قال سبحانه:{ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء:82]. وفي القرآن الدّعوة إلى كل الفضائل، وإصلاح النّفوس، وتجديد الحياة وِفْق منهج الله تعالى، ومن استجاب لدعوة القرآن ونداءات الرّحمن نال من الله الرّضوان، وأورثَه النّعيم في الجنان.

ورمضان كذلك فرصة للغافلين عن ذكر الله تعالى أن يُكثِروا من الذّكر آناءَ اللّيل وأطراف النّهار، لتَحْيا قلوبُهم، وتتجدّد أحوالُهم، وقد قال تعالى:{يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} [الأحزاب:41].

8- شهر رمضان فرصة لمن تعوّد على حياة المترفين، ونشأ على حبّ الدَّعَة واللّين، أن يُغيِّر نَمَط عيشِه وحياتِه؛ فيأخذَ من رمضان درساً في تربية النّفس على المجاهدة والخشونة.

وإنّ رمضان بجوعه وعطشه فرصةٌ للتّدريب على البذاذة والصّبر والشّدة، ونحن مأمورون بهذا التّدريب؛ لأنّ أحوالَ الحياة قد تتبدّل، والنِّعمة قد تُسلَب، والابتلاءات قد تتوالَى.

فمن وجدَتْه ضعيفَ الجأش، قليلَ الحيلة والبأس، بطشَتْ به وزلزلته وكسرت همّته، ومن وجدته على الضدّ من ذلك، صبر وتحمّل وثبت، ولذلك قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( البَذَاذَةُ مِنَ الإِيمَانِ )) [رواه أحمد وابن ماجة، وصحّحه الألباني].

وكتب عمرُ بنُ الخطّاب إلى أمراء الأجناد أن:« اخْشَوْشِنُوا وتَمَعْدَدُوا - أي العيش الخشن الذي تعرفه العرب -، وإيّاكُمْ والتَّنَعُّمَ وَزَيَّ العَجَمِ !».

9- إنّ شهر رمضان فرصة لتهذيب الشّهوة الحيوانية من أكل وشراب ووقاع:

وقد دلّنا على ذلك الحديث القدسيّ: (( يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي ))، وقولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ )) [رواه البخاري].

10-وهو فرصة لتعلّم ضبط النّفس وتربيتِها على الحِلْم والأناة، لمن كان قليل الصبر، سريع الغضب.

قال صلّى الله عليه وسلّم: (( إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ؛ فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ )) [متفق عليه].

وهذا عينُ التّدريب على الحِلم وكظْمِ الغيظ الّذي مدح المولى عزّ وجلّ أهلَه، وجعله من خصال المتّقين الّذين وعدهم جنّة عرضُها السّماوات والأرض فقال:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)} [آل عمران].

وقال صلّى الله عليه وسلّم في الحثّ على ضبط النّفس: (( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ )) [متفق عليه].

أيّها المؤمنون، إنْ لم نتغيّر في رمضان فمتى نتغيّر؟ وإن لم نُجدِّد إيمانَنا فيه فمتى يتجدّد ؟ وإن لم نجتهد في إصلاح أحوالنا فيه فمتى يكون ذلك ؟

أيّها المؤمنون، إنّ شهر رمضان فرصةٌ ذهبيّة لمن أراد التّوبة النّصوح، وأراد تجديد العهد مع ربّه عزّ وجلّ، وكلّنا ذوو عيوب، وقد أحاطت بنا الذّنوب، وتغلغل حبّ الدّنيا في قلوبنا، فأصابها بالوهن، وأقْعدَها عن طلب المعالي، وخطفت المتع والشّهوات الأبصار، وجذبت الأنظار نحو المتاع الفاني، فيا مقلّب اللّيل والنّهار، الآخذ بالنّواصي والأبصار، اهدِنا وخُذْ بأيدينا، وارحم حالَنا، يا حليم يا غفّار.

]]>
قرأت لك Sun, 24 Jul 2011 11:20:08 +0000
- أحكام وآداب الصّيام (6) صوم رمضان يكفّر الذّنوب جميعها https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1164-أحكام-وآداب-الصّيام-6-صوم-رمضان-يكفّر-الذّنوب-جميعها https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1164-أحكام-وآداب-الصّيام-6-صوم-رمضان-يكفّر-الذّنوب-جميعها

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد رأينا من فضائل شهر رمضان: أنّه أُنزِل فيه القرآن العظيم، وأنّه شهر تُصفّد فيه الشّياطين، وتفتّح فيه أبواب الجنان، وتغلّق فيه أبواب النّيران.

ومن أعظم فضائل صوم هذا الشّهر الكريم:

الفضل الخامس: أنّه يكفّر جميع الذّنوب.

فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).

وقوله: ( إيمانا ) أي: تصديقا بوجوبه وفضله وأجر صومه.

( واحْتسابا ): الاحتساب هو أن تطيبَ نفسه بصوم أيّامه، لا يستثقلها ولا يستطيلها.

وقوله: ( غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ): و( ذنبه ) اسم جنس  مضاف، فيفيد العموم، ويتناول جميع الذّنوب حتّى الكبائر، وبهذا جزم ابن المنذر رحمه الله.

أمّا الجمهور فخصّوا الحديث بالصّغائر دون الكبائر، ودليلهم في ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول: (( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ )).

والمتأمّل لهذا الحديث يدرك أنّه ما قال: ( إلاّ الكبائر )، وإنّما قال: (إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)، أي: إذا صام العبد رمضان واجتنب الكبائر، فإنّه يُغفر له ذنبه كلّه بما في ذلك الكبائر.

ذلك لأنّ الله تبارك وتعالى قال:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النّساء: 31]، فقد جعل المولى عزّ وجلّ اجتناب الكبائر ذاته مُكفّرا للصّغائر، فيبقى صوم الشّهر إيمانا واحتسابا مكفّرا للكبائر.

وفصل المقال في ذلك إن شاء الله أن يُقال: إنّ الصّائم في رمضان لا يخلو من ثلاثة أحوال:

1- إمّا أن يصوم ويظلّ عاكفا على فعل الكبائر ! فهذا توبته غير صحيحة؛ لأنّ من شروط التّوبة الإقلاع عن الذّنب، ومن ثمّ فإنّ صيامه لرمضان لا يُكفّر الكبائر، ولا الصّغائر.

2- أن يتوب إلى الله توبة صادقة، ولكنّه وقع في كبيرة من الكبائر في رمضان، فهذا صيامه لا يُكفّر الكبائر أيضا لنصّ الحديث.

3- أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة، ولم يقع في كبيرة من الكبائر، فهذا صيامه يكفّر له جميع ذنوبه بما فيها الكبائر، والسرّ في ذلك اجتماع التّوبة النّصوح، مع الإخلاص والصّدق في الصّوم، وحرصه على العمل الصّالح.

[انظر " الجواب الكافي " لابن القيّم رحمه الله (ص: 87)].

وهذا من فضل الله تعالى على هذه الأمّة {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].

ومن أجل ذلك ترى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم موبِّخا من أدرك شهر رمضان، ثمّ لم يُغفَر له !  فقد روى الحاكم عن كعْبِ بنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

(( اُحْضُرُوا الْمِنْبَرَ ))، فحضرْنا، فلمَّا ارْتقَى درجةً قال: (( آمِينَ ))، فلمّا ارتقَى الدَّرجةَ الثّانية قال: (( آمِينَ ))، فلمَّا ارتقَى الدَّرجةَ الثَّالثةَ قال: (( آمِينَ ))، فلمَّا نزل قُلْنَا: يا رسولَ اللهِ، لقدْ سَمِعْنا منك اليومَ شيئاً ما كُنَّا نسمعُهُ ؟! قال:

(( إِنَّ جِبْرِيلَ عليه الصّلاة وَالسّلام عَرَضَ لِي، فَقَالَ: بُعْداً لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ ! قُلْتُ: آمِينَ.

فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّانِيَةَ قَالَ: بُعْداً لِمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ ! قُلْتُ: آمِينَ.

فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّالِثَةَ قَالَ: بُعْداً لِمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَاهُ الكِبَرَ عِنْدَهُ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَلَمْ يُدْخِلاَهُ الْجَنَّةَ ! قُلْتُ: آمِينَ )).

وقوله: ( بُعدًا ) هو دعاء بالشرّ، ومعناه البعدُ عن كلّ خير. وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه: (( رغم أنف رجل ...)).

ذلك؛ لأنّ كلّ فُرص الفوز والفلاح قد أُتيحت، وأبواب الجنّة قد فتِّحت، ولكنّ العاصي أبى إلاّ أن يكون من المُعرضين، فهو في شهر الذّكر لكنّه نسِي ! وفي شعر العمل ولكنّه تكاسل ! وفي شهر الجود ولكنّه بخِل ! وفي شهر المغفرة فحُرِم منها!

أمّا الصّائم الصّادق المشفق من ذنبه، يرجو رحمة ربّه، فذاك في أعلى المراتب، وأرقى المنازل، فقد روى ابن حِبّان بسند صحيح عن عمرِو بْنِ مُرَّةَ الجهنيّ رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، أَرَأيتَ إِنْ شهدْتُ أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسولُ الله، وصَلَّيْتُ الصَّلواتِ الخمْسَ، وأدَّيْتُ الزَّكاةَ، وصُمْتُ رمضانَ وقُمْتُهُ، فمِمَّنْ أنا ؟

قال صلّى الله عليه وسلّم: (( مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ )) ["صحيح التّرغيب والتّرهيب" (361)].

الفضل السّادس: في شهر رمضان ليلة القدر الّتي هي خير من ألف شهر.

وهذا سوف نعود إلى الحديث عنه في حينه إن شاء الله.

والله الموفّق لا ربّ سواه.

]]>
أحكام وآداب الصّيام Thu, 09 May 2019 00:00:00 +0000
- أحكام وآداب الصّيام (5) فضائل صوم رمضان https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1162-أحكام-وآداب-الصّيام-5-فضائل-صوم-رمضان https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1162-أحكام-وآداب-الصّيام-5-فضائل-صوم-رمضان

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد خصّ المولى تبارك وتعالى هذا الشّهر بخصائص عديدة، تدلّ على فضله وشرفه، ومن تلك الفضائل:

الفضل الأوّل: أنّ القرآن العظيم أُنزِل فيه.

قال الله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة من: 185].

فأعظم نعمة على الإطلاق: هي نعمة إنزال هذا الكتاب الّذي جعله الله عزّ وجلّ هُدىً ورحمة وشفاء، وأناط به السّعادة في الدّنيا والآخرة، فلشكر هذه النّعمة، شرع الله تعالى صيام شهر رمضان، بدليل قوله سبحانه بعد:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، فالفاء هنا هي فاء السّببيّة، كأنّه قال: سبب صيام هذا الشّهر هو نزول القرآن الكريم فيه.

 

ومن أجل ذلك أيضا استُحِبَّ صوم يوم الإثنين، بدليل ما رواه مسلم عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ رضي الله عنه قال: سُئِلَ - يعني النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم - عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ؟ قال: (( ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ )).

الفضل الثّاني: أنّ الشّياطين تُصفّد فيه.

الفضل الثّالث: أنّ أبواب الجنان تُفتَّح فيه.

الفضل الرّابع: أنّ أبواب النّيران تغلّق فيه.

ويدلّ على هذه الفضائل الثّلاث ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ )).

ومعنى ( صُفِّدت الشّياطين ): شُدّت بالأصفاد، وهي الأغلال والسّلاسل.

وهل التّصفيد حقيقيّ، أو هو كناية عن قلّة أثرِهم على النّاس ؟

الصّواب: أنّه على الحقيقة الّتي لا يعلمها إلاّ الله عزّ وجلّ؛ لأمرين اثنين:

الأوّل: لأنّ الأخذ بالظّاهر واجب.

الثّاني: أنّ تخصيص تصفيدِهم بهذا الشّهر المبارك يدلّ على أنّه على الحقيقة.

و( الشّياطين ): هم فسقة وكفرة الجنّ، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم في رواية التّرمذي: (( وَمَرَدَةُ الجِنِّ ))، والمردة جمع: مارد، وهو المتجرّد للشرّ.

تنبيه مهمّ: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال عن الشّياطين: (صُفِّدت)، ولم يقُل: عُطّلت عن عملها، فإنّ الشّيطان لا يقف عن الوسوسة والنّزغ، وقد أجاب الله تعالى طلبه حين قال:{قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.

فمن الخطأ اعتقاد النّاس أنّ الشّيطان لا يُوسوِس لابن آدم في رمضان ! وأنّ معاصي الإنسان في هذا الشّهر الكريم إنّما هي معاصي النّفس !

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

" تُصفّد: تضعف قوّتهم وعملهم بتصفيدهم، فلا يستطيعون أن يفعلوا في رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره. ولم يقُل: إنّهم ماتوا، بل قال: صُفِّدوا، والمصفَّد قد يُؤذي، لكنّ أذاه أقلّ وأضعف ممّا يكون في رمضان، فهو بحَسَب كمال الصّوم ونقصِه، فمن كان صومه كاملا، دفع الشّيطان دفعاً لا يدفعه الصّوم النّاقص "اهـ ["حقيقة الصّيام" (ص 58)].

وقال القرطبي بعد أن رجّح حملَ التّصفيد على ظاهره:

" فإن قيل: كيف نرى الشّرور والمعاصي واقعةً في رمضان كثيرا، فلو صُفّدت الشّياطين لم يقع ذلك ؟

فالجواب: أنّها إنّما تقلّ عن الصّائمين الصّوم الّذي حُوفِظ على شروطه، ورُوعِيت آدابه ..." اهـ ["فتح الباري" (4/114)].

الحكمة من تصفيد الشّياطين في رمضان:

فإنّ هناك أسبابا صُفّدت من أجلها الشّياطين في رمضان، منها: كثرة ذكر الله تعالى في هذا الشّهر، ونزول الملائكة، ولكنّ أعظمها على الإطلاق: أنّه شهر نزل فيه القرآن الكريم.

فإنّه يوم نزل القرآن على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رُجِمت الشّياطين ومُنعت من استراق السّمع، روى البخاري عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما قال:

انْطَلَقَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ ؟

فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ.

قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ !.

فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ.

فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا – وَالله - الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ.

فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا ! إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صلّى الله عليه وسلّم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ} وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ.

وفي رواية لابن أبي شيبة عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال:

وانطلقت الشّياطين إلى إبليس، فأخبروه، فقال: هَذَا حَدَثٌ حَدَثَ في الأرض، فأْتُونِي من كلّ أرضٍ بتربة، فلمّا أتوه بتربة تهامة قال: هَا هُنَا الحَدَثُ !..

فكلّما أهل هلال رمضان ناسَب أن تصفَّد الشّياطين لأجله.

وفي سنن التّرمذي عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: (( إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ )).

وبقيّة الحديث عن فضائل الشّهر الكريم تأتي لاحقا إن شاء الله. 

]]>
أحكام وآداب الصّيام Thu, 17 May 2018 00:55:55 +0000
أحكام الصيام 03 - بيان فضائل شهر رمضان المبارك https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1156-أحكام-الصيام-03---بيان-فضائل-شهر-رمضان-المبارك https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1156-أحكام-الصيام-03---بيان-فضائل-شهر-رمضان-المبارك

من سلسلة: سلسلة أحكام الصّيام وآدابه.

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

أحكام الصيام 03

04-بيان فضائل الصّوم مطلقا –تابع-:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رضي الله عنه :"ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله تعالى، إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النّار سبعين خريفا"

07-أنّ الصّوم من أسباب دخول الجنّة:

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة، قال:" عليك بالصّوم فإنه لا مثل له" وفي رواية" لا عدل له" زاد الإمام أحمد في روايته:"فوالله ما رأي أبو أمامة ولا زوجه ولا خادمه إلا صُياما، حتى إذا رأي في دارهم دخان، قيل اعتراهم ضيف، أو نزل بهم نازل"

08-للصائم باب خاص يدعى الريّان:

عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:" إنّ في الجنّة بابا يقال له: (الريّان)، يدخل منه الصّائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل من أحد" وفي رواية:" من دخل لم يظمأ أبدا" وفي رواية:" فإذا دخل آخرهم أُغلق، من دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا"

09-أنّ الصّائم مجاب الدّعوة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" ثلاثة لا تُردّ دعوتهم" فذكر منهم " والصّائم حتى يفطر".

عن عبد الله بن عمرو العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :" إنّ للصائم عند فطره لدعوة لا تُردّ" 

05-بيان فضائل شهر رمضان المبارك:

01-أنّ الله اصطفاه فأنزل فيه القرآن.

قال الله تعالى : "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" 

02-أنّ الشّياطين فيه تُصفد.

03-أنّ أبواب الجنّة فيه تُفتّح.

04-أنّ أبواب النّار فيه تُغلّق. 

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال" «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»

05-أنّ صيام هذا الشّهر يكفّر جميع الذنوب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » 

-عَن كَعْب بن عجْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلّى الله عليه وسلّم :"احضروا الْمِنْبَر فحضرنا فَلَمَّا ارْتقى دَرَجَة قَالَ آمين فَلَمَّا ارْتقى الدرجَة الثَّانِيَة قَالَ آمين فَلَمَّا ارْتقى الدرجَة الثَّالِثَة قَالَ آمين فَلَمَّا نزل قُلْنَا يَا رَسُول الله لقد سمعنَا مِنْك الْيَوْم شَيْئا مَا كُنَّا نَسْمَعهُ قَالَ إِن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عرض لي فَقَالَ بعد من أدْرك رَمَضَان فَلم يُغْفر لَهُ قلت آمين فَلَمَّا رقيت الثَّانِيَة قَالَ بعد من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَقلت آمين فَلَمَّا رقيت الثَّالِثَة قَالَ بعد من أدْرك أَبَوَيْهِ الْكبر عِنْده أَو أَحدهمَا فَلم يدْخلَاهُ الْجنَّة قلت آمين"

-عَن عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ رضي الله عنه قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ يَا رَسُول الله: أَرَأَيْت إِن شهِدت أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله وَصليت الصَّلَوَات الْخمس وَأديت الزَّكَاة وَصمت رَمَضَان وقمته فَمِمَّنْ أَنا قَالَ:" من الصديقين وَالشُّهَدَاء."

06-أنّ فيه ليلة هي خير من ألف ألا وهي ليلة القدر.


]]>
سلسلة أحكام الصّيام وآدابه. Wed, 13 Jul 2011 18:15:04 +0000
- أحكام وآداب الصّيام (1) البشارة بقدوم شهر رمضان https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1150-أحكام-وآداب-الصّيام-1-البشارة-بقدوم-شهر-رمضان https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1150-أحكام-وآداب-الصّيام-1-البشارة-بقدوم-شهر-رمضان

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيّئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، أمّا بعد:

فيقول المولى تبارك وتعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة من: 3].

ولكمال هذا الدّين وتمامه، يريد المولى عزّ وجلّ من عبده أن يسعى إلى الكمال، وذلك بالإحسان في كلّ شيء، ومصداق ذلك ما رواه البيهقيّ وأبو يعلى بسند حسن عن عائشةَ رضي الله عنها عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:

(( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ )).

ومن العمل الّذي يحبّ الله إتقانَه، وأن يسعى طالبا كمالَه وإحسانَه: عبادة الصّيام.

وليس ذلك إلاّ بمعرفة أحكام الصّيام وآدابه، لأنّه دون معرفة هذه الأحكام ينقص أجر الصّيام، ويثوب العبد بالإثم والملام.

وإنّ أحكام وآداب الصّيام كثيرة، لا سيّما الأحكام المتعلّقة بشهر رمضان، فمنها ما ينبغي معرفته قبل حلول الشّهر الكريم، ومنها ما يحرص العبد عليه خلال الشّهر، ومنها أحكامٌ تتعلّق بما بعد شهر الصّيام.

1- البشارة بقدوم شهر الصّيام.

فإنّ الفرح بمواسم الطّاعات، والحزن على فواتها أمرٌ قد اتّفق عليه المسلمون، وقد قال تعالى في كتابه الميمون:{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].

وقد روى النّسائيّ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم:

(( أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عزّ وجلّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ )).

قال أهل العلم: وهذا الحديث أصلٌ في تبشير النّاس بعضِهم بعضاً بقدوم شهر رمضان، و" كيف لا يبشَّر المؤمن بفتح أبواب الجِنان ؟! كيف لا يبشَّر المذنب بغلق أبواب النّيران ؟! كيف لا يُبشّر العاقل بوقتٍ يُغلّ فيه الشّيطان ؟! من أين يُشبه هذا الزّمانَ زمان ؟! " ["لطائف المعارف" (ص 289) لابن رجب رحمه الله].

فعلى العاقل الّذي بلّغه الله تعالى هذا الشّهر الكريم، أن يُسَارع إلى شكر الله الّذي وفّقه إلى أن يعيش هذا الموسم العظيم..

أن يعيش شهر الصّبر .. شهر الطّاعة والشّكر .. شهر الإنابة والذّكر ..

فكم من قلوب اشتاقت وحنّت للقاء هذا الشّهر، صارت اليوم في القبور واللّحود، وما عادوا من أهل هذا الوجود.

لقد أراد الله تعالى لك أن تكون هذا العام ممّن يزدادون تقرّبا منه تعالى بصوم شهر رمضان وقيام ليله .. ولو قيل لأهل القبور: تمنّوا، لتمنّوا يوما واحداً من رمضان ..

وتأمّل ما رواه الطّبرانيّ في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّ بقبر فقال: (( مَنْ صَاحِبُ هَذَا القَبْرِ ؟ )) فقالوا: فلان. فقال: (( رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ )).

فإذا كان هذا حال ركعتين فقط، فكيف بأيّام نهارها صيام، وليلها قيام ؟! نهارها ذكر وخضوع، وليلها تهجّد وخشوع ؟!

وأضع هذا الحديث بين يديك، حتّى تتذكّر نعمة الله تعالى عليك، فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال:

كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ مِنْ قُضَاعَةَ، أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً.

قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ !

فَأَصْبَحْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: (( أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ سَنَةِ ؟!)).

لذلك كان الصّحابة رضي الله عنهم والتّابعون يسألون الله تعالى وصوله وبلوغه .. قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله:" كان من دعائهم: اللهمّ سلِّمني إلى رمضان، وسلِّم لي رمضان ".

فتذكّر يا من ستُدْرِك هذا الشّهر أنّك في نعمة من الله إليك أسداها، ومنّةٍ منه عليك أولاها، والْهَجْ بلسان الحال والمقال، شاكرا الكبيرَ المتعال، عندئذ ترى أنّ الله ربّ العبيد، قد آذنك بالمزيد:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7].

تنبيه:

في باب البشارة بهذا الشّهر الكريم حديث مشهور، لكنّه لا يصحّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو ما رواه ابن خزيمة عن أبي مسعودٍ الغفاريّ رضي الله عنه مرفوعا: (( لَوْ يَعْلَمُ العِبَادُ مَا رَمَضَانُ، لَتَمَنَّتْ أُمَّتِي أَنْ يَكُونَ السَّنَةَ كُلَّهَا )).

والله الموفّق لا ربّ سواه.

]]>
أحكام وآداب الصّيام Mon, 14 May 2018 00:05:00 +0000
أحكام الصيام وآدابه 01 : https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1148-أحكام-الصيام-وآدابه-01 https://www.nebrasselhaq.com/home/item/1148-أحكام-الصيام-وآدابه-01

من سلسلة: سلسلة أحكام الصّيام وآدابه.

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

أحكام الصيام وآدابه 01 :

-الصيام من أجلّ العبادات، لابد على المسلم أن يأتي بها على أكمل وجه بتعلم أحكام وآداب الصيام.

1-مشروعية البشارة والتهنئة بمناسبة قدوم شهر رمضان:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه ، تُفتح فيه أبواب السماء ، وتُغلق فيه أبواب الجحيم ، وتُغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم"

02-الوقوف عند معنى الصيام اللغوي والشرعي:

-الصيام في اللغة يطلق على معنين اثنين:

1-الاعتدال.

2-الإمساك عن الشيء.

-الصيام شرعا: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج بنيّة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

03-بيان حقيقة الصيام:

قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.

]]>
سلسلة أحكام الصّيام وآدابه. Sun, 10 Jul 2011 22:50:09 +0000
- خطبة: بين يدي رمضان https://www.nebrasselhaq.com/home/item/22-خطبة-بين-يدي-رمضان https://www.nebrasselhaq.com/home/item/22-خطبة-بين-يدي-رمضان

 25 شعبان 1428 هـ/ 7 سبتمبر 2007م

مسجد:" عمر بن الخطّاب رضي الله عنه "، بحي لا فيجي - الجزائر العاصمة.

الخطبة الأولى [ بعد الحمد والثّناء ... ] أمّا بعد..

فيقول الله تبارك وتعالى:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133]، وقال: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد:21] ..

 وأغلى ما نملكه أيّها المؤمنون والمؤمنات لنعين به أنفسنا لخوض هذا السّباق، وصايا نقدّمها، وذكرى نزفّها .. وصايا عظام بين يدي شهر الصّيام .. فإنّ أبواب الجنّة ستفتح بعد أيّام قليلة، فيفتح سوقها، وتتزبّن حورها، ولا يقبل منك في سوق الجنّة إلاّ أن تدفع العمل الصّالح .. ولا تقبل منك نساء الجنّة إلاّ أن يكون مهرهنّ العمل الصّالح ..

فهلمّ أيّها التجّار إلى سوق الأبرار .. جنّات تجري تحتها الأنهار فيها ما لا يخطر ببال من الفاكهة والثّمار ..
وهلمّ أيّها الخطّاب إلى الكواعب الأتراب .. لو اطّلعت الواحدة منهنّ على أهل الدّنيا لأضاءت ما فيها .. حور قال الله عنهنّ:{ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً } [الواقعة:35] فنسب الإنشاء إلى ذاته العليّة .. ووصفهنّ قائلا:{ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ } [الرّحمن:58] .. وإذا وصف الله نساء الجنّة بهذا الوصف، فما ظنّك به سبحانه ؟!.. فأعظم ما يقدّم لك في سوق الجنّة رؤية الباري سبحانه وتعالى ..

فهذا الميدان قد أُعِدّ، وها هو السّباق قد أقيم .. سباق ليس من جوائزه كأس تتقاتل عليها الأندية، ولكنّها كأس كان مزاجها كافورا .. كأس كان مزاجها زنجبيلا .. كأس لا لغو فيها ولا تأثيم .. يطوف بها غلمان مخلّدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا .. كأس تشرب منها فلا تظمأ بعدها أبدا ..

فلئلاّ يفوتنا هذا السّباق العظيم، وهذا الخير العميم، فإنّي أزفّ إليكم هذه الوصايا وما على المحسنين من سبيل، والله حسبنا ونعم الوكيل..

* الوصيّة الأولى: عليكم بشكر الله عزّ وجلّ.

نذكّر أنفسنا وإيّاكم بشكر الله تبارك وتعالى، يقول الله تعالى:{ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ } [البقرة:152]..أن تشكر الله تعالى الّذي وفّقك لبلوغ هذا الشّهر .. شهر الصّبر، شهر الطّاعة والشّكر، شهر الإنابة والذّكر .. فكم من قلوب اشتاقت وحنّت للقاء هذا الشّهر فانقطع بها القدر، وانقطع عنها الأثر .. صاروا اليوم في القبور واللّحود، وما عادوا من أهل الوجود ..

وكم مـن أناس رأينــاهـم       تفانوا فلم يبق منهم قريب

وصاروا إلى حفرة تحتوي      ويُسلم فيها الحبيبَ الحبيبُ

لقد أراد الله تعالى أن تكون هذه السّنة ممّن يزدادون تقرّبا منه تعالى بصوم شهر رمضان وقيام ليله .. ولو قيل لأهل القبور تمنّوا لتمنّوا يوما من رمضان ..

ويدلّ على ذلك ما رواه الطّبرانيّ في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّ بقبر فقال: (( مَنْ صَاحِبُ هَذَا القَبْرِ ؟ )) فقالوا: فلان. فقال: (( رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ )).

فإذا كان هذا حال ركعتين فقط، فكيف بأيّام نهارها صيام، وليلها قيام، نهارها ذكر وخضوع، وليلها تهجّد وخشوع ؟

وأضع هذا الحديث بين يديك، حتّى تتذكّر نعمة الله تعالى عليك، وهو ما رواه أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:

" كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ مِنْ قُضَاعَةَ أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً، قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ ! فَأَصْبَحْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: (( أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ سَنَةِ ؟! ))..

لذلك كان الصّحابة والتّابعون يسألون الله تعالى وصوله وبلوغه ..

لذلك ترى المؤمن لا يودّعه إلاّ وقلبه يحترق لوداعه .. فلعلّه لا يلقاه بعد عامه هذا ..

لذلك ترى المؤمنين في شوق وحينن إلى لقائه ..

قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله: كان من دعائهم: اللهمّ سلِّمني إلى رمضان، وسلِّم لي رمضان.

فتذكّر يا من أدركت هذا الشّهر أنّك في نعمة من الله إليك أسداها .. ومنّة منه عليك أولاها .. فالهج بلسان الحال والمقال شاكرا للكبير المتعال، عندئذ ترى أنّ الله ربّ العبيد، قد آذنك بالمزيد:{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم:7]..

* الوصيّة الثّانية: تعرّضوا إلى نفحات الله تعالى ..

واستمع إلى نبيّك صلّى الله عليه وسلّم وهو يقول: (( إِنَّ لِلَّهِ فِي أَيَّامِ الدَّهْرِ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لَهَا، فَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ فَلاَ يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا )) [رواه الطّبراني من حديث محمّد بن مسلمة، انظر "صحيح الجامع"].. هداية لا ضلال بعدها .. رُشد لا غيّ بعده .. عمل لا انقطاع عنه ..

فكم دخله من بعيد فقرّبه الله .. كم دخله من مسيء فتاب عليه الله .. كم دخله من محروم فأعطاه الله .. كم دخله من طريد فآواه الله .. كم دخله من فقير فأغناه الله .. شهر وأيّ شهر ..

ومن أراد أن تمسّه مثل هذه النّفحات: فعليه أن يعزم على العمل الصّالح، والبعد عن كلّ عمل طالح .. إذا وضعت قدمك على عتبة هذا الشّهر، فاعقد النية والعزم على أن تكون من السّابقين، فما نوى ذلك أحد إلاّ وفّقه الله، وتخيّل-ولعلّه الواقع-أنّه آخر شهر في حياتك، كما هي وصيّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأهل الصّلاة: (( إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ )) [رواه أحمد وابن ماجه عن أبي أيوّب رضي الله عنه].

فكم من أقوام طرقوا باب رمضان ودخلوه، فما أنهوه ولا أكملوه، أدركهم آخره وما أدركوه، فمن نوى صالحا كتِبت لهم الحسنات والأجور، لأجل عزمهم على تجارة مع الله لن تبور ..

وأعظم الأعمال الصّالحة:

- تجديد التّوبة إلى الله تعالى ..

فإنّ الله تعالى قد فرض على عباده التّوبة في أكثر من آية، فقال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [التّحريم:8].. وقال سبحانه:{ وَأَنِـيبُواْ إِلَى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ }، وقال تعالى:{ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور: 31].. وقال:{ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّـالِمُونَ } [الحجرات:11].

فقسم الله العباد إلى تائب وظالم، وليس هناك قسم ثالث، وأوقع اسم الظالم على من لم يتب، ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه وبعيب نفسه وآفات أعماله..

* وكثير منّا من الظّالمين لأنفسنا، قد يقذف الشيطان في قلبه اليأس والقنوط، فيغلق باب التّوبة على نفسه، أو على غيره، وقد فتحه الله على مصراعيه، فهنالك عوضا من أن يسارع إلى التّوبة إلى الله، تراه فارّا من مولاه ..

فاعلم أيّها المذنب المسرف على نفسه أنّ الله تعالى قد دعا إلى التّوبة أعظمَ الخلق شركاً ومعصيةً؛ الّذين قالوا إنّ عيسى عليه السّلام ابن الله - تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّاً كبيراً - فقال عزّ وجلّ:{ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [المائدة:74]..

كما فتح باب التّوبة للمنافقين الّذين هم شرّ خلق الله فقال تعالى:{ إِنَّ الْمُنَـافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } [النساء:145، 146].

وانظر إلى أصحاب الأخدود الذين قتلوا عباد الله المؤمنين بغير ذنب إلا أنهم آمنوا بالله ربهم، ينبههم الله عز وجل إلى أنهم لو تابوا لتاب عليهم وقبلهم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج:10]. قال الحسن البصري في هذه الآية:" قتلوا أولياءه وهو يعرض عليهم التوبة ".

ولا يخفى عليك قول الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: (( كُلُّكُمْ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَوَّابُونَ )).

- الإكثار من تلاوة القرآن: فمن الأعمال الّتي يبادر إليها المسلم هذا الشّهر تلاوة القرآن الكريم.

فهو شهر القرآن، قال تعالى:{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } [البقرة: من الآية185]..

أي: ما شرعنا صيامه إلاّ من أجل إنزال القرآن فيه، ويؤكّد ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يعارض جبريل القرآن كلّ سنة مرّة في رمضان، فلمّا كان العام الّذي توفّي فيه عارضه مرّتين.

وعلى ذلك مشى السّلف الصّالح، فكانوا يُكثرون من تلاوة القرآن في رمضان:

كان الزّهريّ رحمه الله يقول إذا دخل رمضان:" إنّما هو تلاوة القرآن وإطعام الطّعام ".

وكان الإمام مالك رحمه الله إذا دخل عليه رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس التّعليم وأقبل على قراءة القرآن.

وكان قتادة يختم القرآن كلّ سبع ليال دائما، وفي رمضان يختمه كلّ ثلاث ليال. 

- الإكثار من الصّدقة:

روى البخاري ومسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ عليه السّلام، فَلَرَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ )..

وفتح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سباقا لهذا الجود، فدلّنا على سبيل يمكنك من خلاله أن تصوم رمضانين في رمضان واحد، فقد روى التّرمذي وغيره عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا )).

فتذكّروا إخوانا لنا في الإسلام .. تذكّروا الأرامل والأيتام .. تذكّروا أحشاء ظامئة .. وبطونا جائعة .. إنّ ما تشعر به من الجوع والعطش أيّاما، يشعر به هؤلاء أعواما ..

وتذكّروا أجسادا عارية ..تذكّروا أبا وأمّا لا يجدون ما يدخلون به السّرور على أطفالهم .. يكبّر للصّلاة ويأتيه طيف الحاجة .. هل من معين .. هل من مواسٍ للمعوِزين .. ويزداد ألمه، ويشتدّ سقمه إذا تذكّر أنّ من بخل عليه في رمضان، فإنّه لن ينظر إليه في غيره..

وكان كثير من السّلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وداود الطّائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يُفطر إلاّ مع اليتامى والمساكين، وإذا علم أنّ أهله قد ردّوهم لم يفطر معهم تلك اللّيلة.

وكان من السّلف كالحسن وابن المبارك من يدعو المحتاجين فيطعمهم وهو صائم ويجلس يخدمهم ويروّحهم.

وقال أبو السوّار العدويّ: كان رجال من بني عديّ يصلّون في المسجد ما أفطر الواحد منهم وحده قط، فإن وجد من يأكل معه، وإلاّ أخرج طعامه إلى المسجد فيأكله مع النّاس.

ألا فلتتحرّك أيدي الجود والسّخاء .. بالإنفاق والعطاء .. فكم من ساق جرعة ماء لوجه ربّ الأرض والسّماء وقاه الله شرّ يوم اللّقاء .. كم من ساق جرعة ماء سقاء الله يوم الظّمأ شربة لا يظمأ بعدها أبدا..{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12) }..

روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.

هذا سقى كلبا طريدا، فكيف بمن أطعم عبدا أسلم لله توحيدا وتمجيدا ؟..

الخطبة الثّانية:

الحمد لله على إحسانه، وعلى جزيل نعمه وعظيم امتنانه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله تعظيما لشانه، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله الدّاعي إلى سبيله ورضوانه، اللهمّ صلّ عليه وعلى أصحابه وآله، وعلى كلّ من اتّبع هداه واستنّ بسنّته وسار على منواله، أمّا بعد:

فمن جزيل الأعمال الّتي على المسلم أن يحرص عليها هذا الشّهر: 

- القيام:

فقيام اللّيل من أعظم ما تقرّب به الصّالحون، وأشرف ما يبتغيه المؤمنون، وإنّ فضائله لا تحصى ولا تعدّ، ولا يمكن أن يحويها حدّ .. فيكفي:

1-أنّه شرف المؤمن .. وكلّنا يبتغي الشّرف، غير أنّ أكثر النّاس ظنّوه بالمال والجاه.

روى الحاكم وغيره بسند صحيح عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال:" جاء جبريل عليه السّلام إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال:" يَا مُحَمَّدُ ! عِـشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيّ بِهِ، واعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ )).

وأعلى مقامات الشّرف أن يجعلك الله من عباده، فيقول:{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64)} [الفرقان].. فسمّاهم عباد الرّّحمن، وكأنّ غيرهم ليسوا كذلك ..

وممّا زادنـــــــي شـرفا وتـيـها    وكدت بأخـمُصـيّ أطأ الثريّا

دخولي تحت قولك: يا عبادي   وأن صيّرت  أحـمد لـي نبـيّا

2- وأنّه كان في أوّل الإسلام مفروضا .. كما في صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ عزّ وجلّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ.

ولمّا صار نافلة، كان:

3- أفضل صلوات النّوافل .. فقد روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ ))..

4- ولذلك أمر به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أوّل يوم دخل فيه المدينة:

روى التّرمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم ! قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم ! قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ! فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ:

(( أَيُّهَا النَّاسُ ! أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ )).

5- وهو من أعظم السّبل لشكر الله تعالى: فقد روى البخاري ومسلم عَنِ الْمُغِيرَةِ رضي الله عنه قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟! قَالَ: (( أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ))..

6- أعدّ الله لأهل القيام أطيب المساكن: روى ابن حبّان في " صحيحه " عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

(( إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلاَمَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ )). ويكفي أنّه:

7- عصمة من الغفلة ومكسب عظيم للأجر: فالغفلة وصف قاتل والعياذ بالله، نهى الله عن الاقتراب من أصحابه فقال:{ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } [الكهف: من الآية28].

روى أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْمُقَنْطِرِينَ ))..

فكيف بكلّ هذه الفضائل، يؤدّيها المسلم والمسلمة في بيت الله أحسن البلاد، مع جماعة المسلمين أحسن العباد، في شهر من أفضل الشّهور وهو شهر الصّيام ؟!.. لا جرم أن قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم-كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الشّيخين-:(( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))..

وهنا نرى لزاما علينا ونحن في هذا السّباق أن نذكّر إخواننا وأخواتنا أنّه ينبغي لمن أراد أن يُكتبَ له قيام ليلة كاملة أن يُكمل الصّلاة مع الإمام إلى الوتر، فقد روى التّرمذي والنّسائي عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ )).

ومن جليل الأعمال هذا الشّهر:

- العمرة:

ومن النّفحات الّتي يُدعى المسلم إلى أن يتعرّض لها عمرةٌ في رمضان، فقد روى البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: (( مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّينَ مَعَنَا )) قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحٌ فَرَكِبَهُ أَبُو فُلَانٍ، وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ. قَالَ: (( فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي )).. فهنيئا لك أيّها المسلم بحجّة مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

- الإكثار من الدّعاء والاستغفار: يقول الله تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186].. ابحث عن موقع هذه الآية من القرآن، تجدها بعد آية الصّيام، وذلك ليدلّنا المولى أنّ أيّام هذا الشّهر الكريم أيّام دعاء واستغفار، فإن غفلت عن الدّعاء فلا تغفلنّ عن وقت الإفطار والأسحار.

أمّا وقت الإفطار فـلقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( إنّ للصّائم عند فطره دعوة لا تردّ )).

وأمّا وقت الأسحار فلأنّ المولى أقرب ما يكون من عبده وقت السّحر، فينزل إلى السّماء الدّنيا فينادي: (( هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له ))، وقوله عزّ وجلّ:{ وَالمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ }.

الوصيّة الثّالثة: تذكّر حقيقة الصّيام والقيام ..

وصيّة نبويّة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .. روى البخاري ومسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:

(( قَالَ اللَّهُ: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ))..

لا يرفُث: أي: لا يقل الكلام البذيء الفاحش القبيح.. ولا يصخب: لا يرفع صوته ويصيح ..

وأين رفع الصّوت بجانب منكرات كثيرة قد يراولها الصّائم: كالنّظر الحرام إلى النّساء الكاسيات العاريات .. والعارضات والممثّلات .. كسماع المغنّين والمغنّيات ..كاللّهو بالنّرد والورق .. أترضى أن يعود النّاس بالثّواب والأجور، ثمّ تعود بالويل والثّبور .. أما تخشى أن تدخل تحت وعيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم القائل: (( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ والعطش، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ )).

* الوصيّة الرّابعة: احذر قطّاع الطّريق:

أرى لزاما عليّ أن أذكّرك ونحن بين يدي شهر الخيرات وموسم الطّاعات، أنّ في البشر كثيرا من قطّاع الطّرق، يصدّون الخلق عن خالقهم، ويضلّونهم عن سبيل رشادهم وهدايتهم .. يمكنك أن تشبّههم بأي شيء، شبّههم بأنّهم خلفاء للّذين صفِّدوا من الشّياطين، إلاّ أنّ هؤلاء من ماء وطين .. شبّههم بأصحاب الأخدود الّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات عن صراط الرّحيم الودود .. لا نزال نراهم في الصّحف والمجلاّت .. في الشّوارع والطّرقات .. في الإذاعات والشّاشات .. يعدون ويبشّرون، ويدعون النّاس إلى قضاء أتعس الأوقات، والتنجّس بمتابعة السّهرات والحفلات .. والعجيب أن تنطلي هذه الإغراءات على أغلب الفئات ..

عباد الله .. إنّنا لسنا أمّة تحرّكها النّكت والتّسلية .. وتخسر سبل الجنّة لأجل الضّحك والسّخرية .. وحياتنا أغلى بكثير من أن نتركها بأيدي الحمقى والمهرّجين .. واسمحوا لي أن أقول: أنا لا أستغرب أن يتابع مثل هذا الهراء شاب في مقتبل العمر، أو فتاة في ريعان شبابها، ولكنّ الأسف يملأ القلب، ويزيد لهب الكرب إذا علمت أنّ ذلك صار حديث الرّجال الكُمّل العقلاء من النّاس ..

يعرض عليهم ربّهم أعظم سلعة وبضاعة، ويدعوهم إلى اغتنام سبل الشفاعة .. يعرض عليهم العمل في شهر لا كالشّهور، الذّنب فيه مغفور .. ولكنّهم آثروا سلعة غيره، وحرموا أنفسهم من خيره .. استبدلوا سبل الفلاح والمفاز .. باللهو واللّغو في التّلفاز .. استبدلوا سبل الخيرات بالقنوات والمقعّرات ..

إنّهم استجابوا لمن قال تعالى فيهم: (( أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )) [البقرة: من الآية221].

أخي الكريم .. هذه وصايا أسأل الله أن تصل إلى قلبك، فمدّ يديك إلى ربّك .. وتب إليه واستغفر لذنبك .. وأخرج نفسك من زمرة المرضى،ـ وقل معي:{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّي لِتَرْضَى}.

يا زارع الـخيــر تحصـــد بعــــــده ثـمــرا                  يا زارع الشّــــر موقوف على الوهن

يا نفس ويحك تـوبي واعملي حسـنا                  عسى تجازين بعد الموت بالحسـن

اللهمّ فاقبل توبتنا، واستجب دعاءنا، وارحم شبابنا، وأقم لنا عسرتنا، ولا تفضحني بالذي قد كان منّا، اللهم لا تفضحنا بالذي كان منّا.. اللهم استر علينا عيوبنا، اللهم ارحمنا برحمتك واجعلنا من الفائزين برمضان واجعلنا ممن قام رمضان إيمانا واحتسابا فغفرت له ما تقدم من ذنبه اللهم اجعلنا ممن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا وغفرت له ما تقدم من ذنبه اللهم اجعلنا من الفائزين برمضان سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله ألا أنت نستغفرك ونتوب إليك وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

]]>
خطب متفرقة Sun, 23 Feb 2025 20:38:15 +0000