قرأت لك نبراس الحق: موقع يسعى لنشر رسالة الإصلاح في زمن الغربة. يضم مجموعة من الدروس والمحاضرات والخطب المنبرية المكتوبة والصوتية والمرئية. ﻷن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام.فهل سنبقَى نلعن الظّلام، ونحكم على الأنام ؟ أم نُضيء ما استطعنا من الشّموع، فتكون نبراسا للحقّ، هاديةً للخلق ؟ https://www.nebrasselhaq.com Wed, 04 Nov 2026 19:48:14 +0000 Joomla! 1.5 - Open Source Content Management ar-aa حديثُ رمضانَ: ( عبادةُ الأحرَارِ ) https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2979-حديثُ-رمضانَ----عبادةُ-الأحرَارِ https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2979-حديثُ-رمضانَ----عبادةُ-الأحرَارِ

مقالٌ للأستاذ: محمود محمّد شاكرٍ $ 

نُشر عام 1369هـ الموافق 1950م [1] 

-    ( سألتَنِي أنْ أكتبَ لك شيئاً عن هذهِ الكلمةِ المُعذَّبَةِ: الصّيامِ؛ فقد ضربَ عليها النّاسُ من الحِكَمِ، وصبُّوا عليها من الفوائِدِ ما لوْ تأمّلتَه لم يَعْدُ أن يكونَ عَرَضاً طفيفاً من أعراضِ التّجاربِ الّتي تمرُّ بالصّائمِ. ولرأيتَهم يبنُون فوائدَهم وحِكَمَهم على غيرِ منطقٍ:

كالّذي يزعُمونه مِن أن الغنِيَّ إذا جاعَ في صيامِه أحسَّ بل عرَفَ كيف تكونُ لذْعةُ الجوعِ على جوفِ الفقيرِ، فهو عندَئِذٍ أسرعُ شيءٍ إلى الجودِ بمالِه وبطعامِه.

ثمّ يزعُمون أنّ الفقيرَ الصّائمَ إذا عرفَ أنّه استوَى هو والغنيُّ في الجوعِ قنِعَ واطمأنّتْ نفسُه !

  لا أدرِي أمِنْ شماتتِه بالغنِيِّ حينَ جاعَ كجوعِه وظمِئَ كظمئِه، أم من حبِّه للمساواةِ في أيِّ شيءٍ كانتْ، وعلى أيِّ صورةٍ جاءتْ !

 ولا تزالُ تسمعُ مثلَ هذه الحِكمَ، حتى كأنَّ ربّكَ لم يكتُبْ هذه العبادةَ إلاّ ليعيشَ الفقيرُ، وليعيشَ الغنِيُّ، كلاهما في سلطانِ مَعِدَتِه جائعاً وشبعانَ ...! 

-    ومنذُ ابتُلِيَ المسلمون بسُوءِ التّفسيرِ لمعانِي عباداتِهم، ومنذُ أدخلُوا عليها ما ليسَ منها، ساءَ أمرُهم، ودخلَ عليهم عدوُّهم من أنفسِهم ومن غيرِ أنفُسِهم، وجعلَ بأسَهم بينَهم، وتتابعُوا في الخطأِ بعد الخطأِ، حتّى تراهم كما تراهم اليومَ: ألوفٌ مؤلّفةٌ ما بين الصّينِ ومُراكِشَ، تَستبِدُّ بهم الطّغاةُ، بل تهاجِمُهم في عُقرِ دارِهم شِرذِمةٌ من قدمَاءِ الأفّاقِين، ومن أبناءِ الذُّلِّ والمسكنةِ، فتُمزِّقُ أنباءَ دينِهم ولغتِهم من الأرضِ المقدّسةِ شرَّ مُمَزَّقٍ.

وكلُّ نكيرِهم أصواتٌ تضِجُّ، ثمّ عودةٌ إلى موائِدِ الشّهواتِ ولذّاتِ النّفوسِ ومضاجعِ الرّاحةِ والتَّرفِ والنّعيمِ: حرَصُوا على الحياةِ وأسبابِ الحياةِ، فذَلُّوا حتّى أماتَهم الذُّلُّ، ولو حرَصُوا على الموتِ وأسبابِ الموتِ، لعَزُّوا به في الحياةِ الدّنيا وفي الآخرةِ. 

ولقد كُتِبَ علينا الصّيامُ ليُنقِذنا من مثلِ هذا البلاءِ، ولكنّا نسينَا اللهَ فأنسانَا أنفُسَنا، حتّى صرفْنَا أعظمَ عبادةٍ كُتِبت علينا إلى معنَى الطّعامِ نتخفّفُ منه لتَصِحَّ أبدانُنا، ونبذُلُه لنُواسِيَ فقيرَنا، ونجتمعُ عليه لتأْتَلِفَ قلوبُنا.

ونصومُ شهرَ رمضانَ فلا تصحُّ لنا أبدانٌ، ولا يُواسَى فقيرٌ، ولا تأتلفُ قلوبٌ، وإذا تمَّ بعضُ ذلك فسُرعانَ ما يزولُ بزَوالِ الشّهرِ، وتنتهِي آثارُه في النّفسِ وفي البدنِ وفي المجتمَعِ. 

-    ولو أنصفْنَا هذه الكلمةَ المظلومةَ المُعذّبَة لرأينا الصّيامَ -كما كُتِب على أهلِ هذا الدّينِ- طاعةً خالصةً بين العبدِ وربِّه، يأتِيها الفقيرُ الهالكُ ابتغاءَ رِضوانِ الله، ويأتِيها الغنِيُّ الواجدُ ابتغاءَ رِضوانِ الله، ويأتيانِها جميعاً في شهرِ رمضانَ، ويأتيانِها فُرادَى في غير شهرِ رمضانَ، لا ليَعيشَا في معانِي المَعِدَةِ بالبذلِ أو بالحِرمانِ، بل ليَخرُجا معاً سواءً عن سُلطانِ الطّعامِ والشّرابِ، وليَخرُجا معاً سواءً من سُلطان الشّهواتِ، بل ليخرُجا معاً سواءً من سلطانِ كلِّ نقيصَةٍ:

من سُلطانِ الخوفِ، فلا يخافُ أحدُهما إلاّ اللهَ ..

ومن سُلطانِ الرّياءِ، فلا يعملُ إلاّ لله. وليسَ بينَ الصّائمِ وبينَ ربِّه أحدٌ، ولا يحولُ بينَه وبينَ الاستجابةِ لربِّه شيءٌ من أشياءِ الدّنيا، أو حاجاتِ البدنِ، أو داعياتِ الغرائزِ، أو نزواتِ العقولِ. 

- فتأمُّلُ معنَى الصّيامِ من حيثُ نظرتُ إليه: هو عِتقُ النّفسِ الإنسانيّة من كلِّ رقٍّ:  

من رِقِّ الحياةِ ومطالِبِها، ومن رِقِّ الأبدانِ وحاجاتِها في مآكِلِها ومشارِبِها .. 

من رِقِّ النّفسِ وشهواتِها، ومن رِقِّ العقولِ ونوازِعِها ..

ومن رِقِّ المَخاوِف حاضرِها وغائبِها، حتّى تشعُرَ بالحرّيةِ الخالصةِ: حرّيةِ الوجودِ، وحرّيةِ الإرادةِ، وحرّيةِ العملِ.

فتحريرُ النّفس المسلمة هو غايةُ الصّيامِ الّذي كُتِب عليها فرضاً وتأتِيه تطوُّعاً.

ولتعلمْ هذه النّفسُ الحرّةُ: أنّ الله الّذي استخلفَها في الأرضِ، لتُقيمَ فيها الحقَّ، ولتقضِي فيها بالحقِّ، ولتعملَ فيها بالحقِّ، لا يرضَى لها:

أن تذِلَّ لأعظمِ حاجاتِ البدنِ؛ لأنّها أقوَى منها ..

ولا لأعْتَى مطالبِ الحياةِ؛ لأنّها أسْمَى منها ..

ولا لأطْغَى قُوى الأرضِ؛ لأنّها أعزُّ سلطاناً منها. 

-    وأراد اللهُ أن يكرِّمَ هذه العباداتِ فأوحَى إلى رسُولِه ﷺ أن يُخبِر النّاسَ عن ربِّه إذ قالَ: ( الصّوْمُ لِي ). فلا رياءَ فيهِ؛ لأنّه جُرِّدَ لله فلا يُرادُ به إلاّ وجهُ الله، فاستأثَر بهِ اللهُ دونَ سائرِ العباداتِ، فهو الّذي يقبَلُه عن عبدِه، وهو الّذي يَجْزِي به كما يشاءُ. 

-    وقد دلَّنا الله سبحانه على طرفٍ من هذا المعنَى، إذ جعلَ الصّيامَ معادلاً لتحريرِ الرّقبةِ في ثلاثةِ أحكامٍ من كتابه:

إذ جعلَ على من قتلَ مؤمنًا خطأً تحريرَ رقبةٍ مؤمنةٍ، ودِيةٍ مسلَّمَةٍ إلى أهلِه { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ } [النّساء: 92].

وجعلَ على الّذينَ يُظاهِرون من نِسائِهم ثمّ يعودُون لما قالُوا تحريرَ رقبةٍ من قبلِ أن يتمَاسَّا { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } [المجادلة : 4]. 

وجعلَ كفّارةَ اليمينِ تحريرَ رقبةٍ { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } [البقرة : 196]. 

فانظر لِمَ كتبَ اللهُ على منِ ارتكبَ شيئاً من هذه الخطايَا الثّلاثِ: أن يُحرِّرَ رقبةً مؤمنةً من رِقِّ الاِستعبادِ، فإنْ لمْ يجِدْها فعليهِ أن يعمَلَ على تحريرِ نفسِه من رِقِّ مطالبِ الحياةِ، ورِقِّ ضروراتِ البدَنِ، ورِقِّ شهواتِ النّفسِ، فالصّيامُ - كما ترى - هو عبادةُ الأحرَارِ، وهو تهذيبُ الأحرارِ، وهو ثقافةُ الأحرارِ. 

-    ولو حرَصَ كلُّ مسلمٍ على أن يستَوعِبَ بالصّيامِ معانِي الحرّيّةِ، وأسبابِ الحرّيّةِ، ومقاليدِ الحُرّيَّةِ، وأنِفَ لدِينه ولنفسِه أن تكونَ حكمةُ صيامِه متعلِّقَةً بالأحشاءِ والأمعاءِ والبطونِ في بذلِ طعامٍ أو حرمانٍ من طعامٍ، لرأينَا الأرضَ المسلِمَةَ لا يكادُ يستقِرُّ فيها ظلمٌ؛ لأنّ للنّفوسِ المسلمةِ بطشاً هو أكبرُ من الظُّلمِ: بطشَ النّفوسِ الّتي لا تخشَى إلاّ اللهَ، ولا يملكُ رِقَّها إلاّ خالقُ السّمواتِ والأرضِ وما بينهُما. ولرأينَا الأرضَ المسلمةَ لا يستولِي عليها الاِستعمارُ؛ لأنّ النّفوسَ المسلمةَ تستطِيعُ أن تهجُرَ كلَّ لذَّةٍ، وتخرجَ من كلِّ سُلطانٍ، وتستطيعُ أن تجوعَ وتعرَى، وأن تتألَّمَ وتتوَجَّعَ صابرةً صادقةً مهاجِرةً في سبيلِ الحقِّ الأعلَى، وفي سبيلِ الحُرِّيةِ الّتي ثقَّفَها بها صيامُها، وفي سبيلِ إعتاقِ الملايينِ المُستعبَدَةِ في الأرضِ بغيرِ حقٍّ وبغيرِ سلطانٍ.

واستطاعَ كلُّ مسلمٍ أن يكونَ صرخةً في الأرضِ تُلهِب القلوبَ، وتدعُوها إلى خلعِ كلِّ شِركٍ يقودُ إليه الخوفُ من الظُّلمِ، ويُفضِّلُ إليه حبَّ الحياةِ وحبَّ التّرفِ وحبَّ النِّعمةِ، وهي أعوانُ الاستعمارِ على النّاسِ. 

-    ويومَ يعرِفُ المسلمونَ صيامَهم حقَّ معرفتِه، ويومَ يجعلُونَه مدرسةً لتحريرِ نفُوسِهم من كلِّ ضرورةٍ وكلّ نقِيصَةٍ، فحقٌّ على اللهِ يومَئذٍ أن ينصُرَ هذهِ الفئَةَ الصّائمةَ عن حاجاتِ أبدَانِها وشهواتِ نفوسِها، الطّالبةَ لما عندَ ربِّها من كرامتِه، الّتي كرَّم بها بنِي آدمَ، إذْ خلقَهُم في الدّنيَا سواءً أحراراً، لا فضْلَ لأحدٍ على أحدٍ إلاّ بالتّقوَى وفعلِ الخيراتِ. 

ويومَئذٍ ينصرُهم على عدوِّهِم، ويستخلفُهم في الأرضِ مرّةً أخرى؛ لينظُرَ كيفَ يعملونَ. 



[1] انظر: «جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمّد شاكر» (2/937)، جمعها وقرأها وقدّم لها: عادل سليمان جمال، وتمّ طبعُها بمكتبة الخانجي بالقاهرة، ط1، 2003 م. 

 

]]>
قرأت لك Sat, 08 Mar 2025 08:45:13 +0000
{فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2963-فَاجْعَلْ-أَفْئِدَةً-مِنَ-النَّاسِ-تَهْوِي-إِلَيْهِمْ https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2963-فَاجْعَلْ-أَفْئِدَةً-مِنَ-النَّاسِ-تَهْوِي-إِلَيْهِمْ

{فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}

الكاتب: محمّد إلهامي

[مجلّة أنصار النّبيّ ﷺ - جوان 2024].

بينما نُعِدُّ لهذا العدد الجديد، أخبرت أستاذَنا الفنّانَ الكبيرَ د. علاء اللّقطة، الّذي يُصمِّمُ لنا غلافَ المجلّةِ، بأنّ العددَ سيحُومُ حولَ معانِي الحجّ وغزَّةَ، فما لبِثَ أن جاءَنا بهذا الغلافِ البديع الّذي حوَّلَ مسارَ مقالِي هذا تماماً [1].

كنتُ أخطّطُ لأنْ أكتبَ حول هذه المعانِي:

1) إنّ أولى ما ينبغي الكلامُ فيه الآن هو: كيف ينبغِي أن تَستثمِرَ الأمّةُ موسِمَ الحجِّ في نُصرةِ غَزَّةَ، بدايةً من الدّعاءِ ومروراً بالمقاطعَةِ، والحثِّ على النّصرةِ، وتحريضِ المؤمنينَ، وانتهاءً بالمشاركةِ بالمالِ والسّلاحِ في هذا الجهادِ الشّريف.

2) ما أقربَ الحجَّ من الجهاد! وما أقربَ الجهادَ من الحجِّ!

وقد جاء الاقترانُ بينهما في عددٍ من أحاديثِ النبِيِّ ﷺ، كقوله ﷺ حينَ سُئلَ عنْ أفضَلِ الأعمَالِ: (إيمانٌ باللهِ ورسُولِه، ثمّ الجهَادُ في سبيلِ الله، ثمّ حَجٌّ مبرُورٌ).

وكقولِه ﷺ جواباً لسؤالِ عائشةَ ڤ: نرى الجهادَ أفضلَ العمَلِ، أفلاَ نُجاهِدُ؟ فقال ﷺ: (لكِنْ أفضَلُ الجِهَادِ حَجٌّ مبْرُورٌ). 

ولهذا، فقد أتبعَ بعضُ العلماءِ الحديثَ عنِ الحجِّ بالحديثِ عن الجهَادِ، كما فعل الإمامُ النّوويُّ $ في أشهرٍ كتبه: «رياض الصّالحين».

ففي كلاَ الأمرين: الحجِّ والجهَادِ، يخرجُ المسلمُ من حظِّ الدّنيا ويتركُ الأهلَ والولدَ والدّيارَ، ويتعرّضُ للصِّعاب والمشقّاتِ، وتفرِضُ عليه العبادةَ الزّهدَ في الدّنيَا من ملبَسٍ ومأكَلٍ ومشرَبٍ، ويقتربُ بنفسِه وبقلبِه من يومِ القيامةِ والدّارِ الآخرةِ.

وفي كلا الأمرين: يرَى المسلمُ نفسَه متّبِعاً لخُطُوات نبيِّه ﷺ وخطُواتِ الصّدرِ الأوَّلِ: إمّا في المكانِ كما هو حالُ الحاجِّ، أو في الهديِ والطّريقةِ والسّبيل كما هو في الجهَادِ ...

جاءنِي هذا الغلافُ الّذي ترَوْنَهُ لهذا العددِ .. فدارَتْ رأسِي حقّاً، وأنا أتأمّلُ وجهاً جديداً من الشَّبهِ والقُربِ لم أنتبه إليه:

1) هذه الخيامُ الّتي ينزِلُها الحُجَّاجُ، ما أقربَ مشهدَها بالخِيَامِ الّتي يأوِي إليها النّازحُون المشرَّدونَ الّذين أفلَتُوا من نيرَانِ العدُوِّ الصُّهيُونِي وجحيمِه!

2) وهذا الاغترابُ عن البيوتِ والدِّيارِ، ما أقربَ الشّبهَ فيه بين حاجٍّ وبين لاجِئٍ: كلاهما قد فارقَ أهلَه، واستبدل بِهم أهلاً وجيراناً آخرينَ!

3) وما أقربَ القائمينَ في هذه الخيامِ ممّن يَعِظُون أهلَها عن المناسِك والعبادةِ بالذِّكرِ، بالقائمينَ في خِيامِ النّازِحين، يعِظُونَهم في الصّبرِ والثّباتِ والاستِبْشَارِ بنعِيمِ الجنّةِ، وبالثّوابِ العظيمِ الّذي كتبهُ الله للمجاهدِين وأهلِهم الصّابرين الثّابتين.

هذه مشاهدُ القُربِ .. ولكنْ - كما قيل -: ما أقربَ ما بينهمَا وما أبعدَه!

فهذه الخيامُ ما أقربَها في الشّبَهِ، ولكن ما أبْعَدَ ما بين الخيمتيْن من وسائلِ الرّاحةِ!

وما أبعدَ ما يشعرُ بهِ النّازلون فيها من الأمْنِ ومنَ الخوفِ!

وما أبعدَ الأملَ الّذي يُرفرِفُ على خيامِ الحُجّاج من الكربِ الّذي يُخَيِّمُ على خِيام اللاّجئين!

ما أبعدَ ما بين خيمةِ الحُجّاجِّ فيما مُهِّد لها من الطُّرقِ ومن الخدمةِ وما بين خيمةِ اللاّجئِ الّتي يُعانِي فيها من الحصُولِ على الطّعامِ القليلِ، والماءِ الشّحيحِ، وضروراتِ الحياةِ البسيطةِ الّتي يحتاجُها كلُّ كائنٍ حيٍّ!

...

وبينَ المشهدَيْنِ المُتشَابهيْن والمتباعديْن، اختارَ صاحبُنا الفنّانُ أن يكتبَ قولَه تعالى: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37]. فيَا لحُسْنِ هذا الاختيارِ!!

كأنّما استدارَ الزّمانُ على هيئتِه مرّةً أخرَى، وتقلّبت صفحاتُ اليومِ ليُشبِهَ آخرُها أولَّها:

* ففي ذلكَ الزّمنِ البعيدِ، نادَى بها إبراهيمُ يسألُ اللهَ أن يُنقذَ زوجَه وابنَه المحرُومَيْن المحتاجَيْن في أرضِ الجدْبِ والصّحراءِ، فما أشبَهَ ذلكَ بحرمانِ المُحاصَرين الّذين أُغلِقَت عليهم المنافذُ والمعابِرُ، حتّى صارَ الطّعامُ والشّرابُ أثمنَ ما يحتاجونَ إليه!

* ما أشبَهَ الكربَ الّذي كانتْ فيه هاجَرُ وابنُها الرّضيعُ إسماعيلُ بالكَرْبِ الّذي فيه الآنَ أهلُ غزَّةَ: لاَ نصيرَ، ولا ظَهيرَ، ولا أَنيسَ، ولا رَفيقَ! كم في غزّةَ الآن من امرأةٍ تشبِهُ أمَّنا هاجرَ، تضربُ الأرضَ وتأكلُها الحيرَةُ بحثاً عن شيءٍ تطعمُه ابنَها الصّغيرَ الّذي يوشِك أن يموتَ من الجوع؟!

وقدِ استجابَ اللهُ دعوةَ إبراهيمَ عليه السّلام، فهذه الخيامُ الكثيرةُ الّتي نراهَا في الحجِّ هي دليلُ الإجابةِ لذلكَ النّداءِ القديمِ البعيدِ، فلقد أقبلَتْ الأفئدةُ تَهوِي إلى البيتِ العتيقِ، ومنها ستصدَحُ الحناجِرُ بالدّعاءِ للمجاهدِين والنّازحين في غزّةَ، وعسَى الله أن يُقِرَّ أعيُنَنَا فيستجيبَ! ونرى المواكبَ تسيرُ إلى غزّةَ ومنها إلى المسجد الأقصَى، تلبِّي وتكبِّرُ وتتلُو آياتِ الفتحِ المبين!

وتأمّل - أخي القارئ - في أنَّ إبراهيمَ عليه السلام حينَ دعَا ربَّه: لم يبدأْ بطلبِ الطّعامِ والشّرابِ، بل بدأَ بطلبِ الأُنسِ والرُّفقةِ والصُّحبةِ، طلبَ أن تَهوِي إليهم الأفئدةُ .. أن تذهبَ إليهم القلوبُ، ثم أردفَ بطلبِ الرّزقِ من الطّعامِ والشّرابِ، قال: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ}... فلمّا أجابه الله تعالى أخرجَ لهم الرّزقَ: ماءَ زمزم، ثمّ جاء لهم بالنّاسِ!

لكنّ الوقفةَ هنا هي في قولِ إبراهيمَ عليه السلام: {أَفْئِدَةً}..

وقد ذكرَ المفسِّرون أنّ {أَفْئِدَةً} يمكنُ أن تكونَ جمعاً لكلمةِ (وفود)، أو تكونَ جمعاً لكلمة (فُؤاد).. فالمعنى قد يكون: اِجعلْ وفوداً من النّاس تحِنُّ إليهم، وقد يكون: اِجعل قلوباً من النّاس تَحِنُّ إليهم.

ولا يتعارضُ المعنيان؛ فلربّما حنَّتِ القلوبُ وعجزتْ الأجسادُ كما هو حال من لم يستطِعْ أن يحُجَّ ومن لم يستطع أن يُغِيثَ غزّةَ في كربِها، فعجزت الوفود عن الوفود! ولربّما قسَتْ القلوبُ فلم تَحِنَّ ولم تَهْوِ؛ فذلك هو الكفرُ والجحودُ والإعراضُ عن أمرِ الله بالحجِّ، وذلك هو الخيانةُ والخِذلانُ والإعراضُ عن أمرِ الله بنُصرةِ المسلمين المستضعَفين المكروبينَ.

ولهذا استعاذ نبيُّنا ﷺ، وعلَّمنَا أن نستعيذَ في كلِّ صباحٍ ومساءٍ من العجزِ والكسَلِ .. فالعجزُ هو وجودُ الإرادةِ وافتقادُ القدرةِ، والكسلُ هو وجودُ القدرةِ وافتقادُ الإرادة!

نعم، المعركةُ معركةُ قلوبٍ في المقامِ الأوّلِ، ثمّ هي معركةُ قدرةٍ في المقامِ الثّانِي .. وبهما يكون الظّفْرُ، وقد قالَ الشّاعرُ الّذي وجدَ القدرةَ ولم يجدِ العزيمةَ:

( وما تنفعُ الخيلُ الكرامُ ولا القَنَا         إذَا لم يكنْ فوقَ الكرامِ كرامُ )

وقال الآخرُ الّذي وجدَ العزيمةَ وفاتته القدرةُ:

( لا تلُمْ كفِّي إذا السّيفُ نَبَا         صحَّ منِّي العزمُ، والدّهرُ أبَى )

ولئن كانَ حُجّاجُ بيتِ الله الحرامِ قد أكرمَهم الله بالقدرةِ والهمَّة، فها هي الأمّةُ كلُّها تقفُ عاجزةً أمامَ إخوانِهم في غَزَّةَ، بلْ كثيرٌ من قلوبِ غيرِ المسلمين تحرّكت لأجلِ غزّةَ وما استطاعت أن تُغيثَها حتّى الآن بما ينفعُ!

وهذا هو المشهد:

* قومٌ يملكون أن يفعلُوا، ولكنّهم قلوبٌ قاسيةٌ لا تلينُ ولا تحِنُّ، هي قلُوب الأعداءِ المجرمِينَ من الصّهاينةِ، وقلوبُ من يسانِدُهم من الغربِيِّين والأمريكان، ثمّ قلوبُ من يخدُمُهم من أنظمةِ الخيانَةِ والعَمالةِ..

قلوبٌ لا تؤثِّر فيها الدّماءُ ولا الدّمُوعُ ولا الأشلاءُ .. قلوبٌ من الصّفوانِ الصّلدِ الصُّلبِ!

قلوبٌ وصفها الله تعالى بقوله: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74].

* وقومٌ لا يملكُون أن يفعلُوا مهما تقطّعتْ قلوبُهم وتمزّقَت أحشاؤُهم، وضاقت عليهم نفوسُهم وضاقت عليهم الأرضُ بما رَحُبَت.

ومنهم من تعرّضَ في سبيل نُصرة غزَّة بالكلمة والتّغريدةِ ورفعِ العَلمِ والهُتاف، إلى السّجنِ والتّنكِيل والحِرمانِ من شهادتِه الجامعيّة ومن العمل ... إلخ!

بل منهم من قُتِل كما وقعَ قبلَ يومين من كتابةِ هذا المقال منَ الجنودِ المصريِّين الّذين أطلقُوا النّار على قوةٍ إسرائيليّةٍ عند معبَرِ رَفَحَ، فنشبت معركةٌ استُشهِد فيها جنديّانِ.

لقد شرعَ الله هذه العباداتِ الجامعةَ لمقصِديْن كبيريْن:

تطهيرُ القلبِ، والشّعورُ بوَحدةِ الأمّة.

فالمرءُ المسلمُ حينَ يُصلِّي فيعرفُ أنّه في نفسِ هذا الوقتِ يُصلِّي المسلمون مثلَه حولَ العالَم، وحينَ يصومُ رمضانَ فيعرفُ أنّهم يصومون مثلَه في نفسِ هذا الشّهرِ حولَ العالَم، ثمّ هو حينَ يحُجُّ يرى إخوانَه وقد جاؤُوا إلى هذه البُقعةِ ذاتِها من كلّ فجٍّ عميقٍ! في كلّ عبادةٍ من هذه يتقاربُ المسلمون؛ بدايةً من أهلِ الحيِّ الواحدِ الّذينَ تجمعُهم الصّلواتُ الخمسُ، وحتّى أهلُ المعمورةِ كلُّها حين يجمعهُم البيتُ الحرامُ.

وليسَ يمكنُ أن يوجدَ مسلمٌ يلتزِمُ بدينِه، ثمّ هو لا يشعُرُ بإخوانِه المسلمين حولَ العالَم، فكيف إذَا كانت مآسِي المسلمينَ قد أيقظَتْ من كان في قلبِه مثقالُ حبّةٍ من خردَلٍ من فِطرةٍ ولو كان كافراً ؟!

إذا لم تَهْوِ أفئدةُ المسلمينَ الآنَ إلى غزّةَ وإلى السُّودانِ وإلى المسلمينَ في الهندِ وفي بُورمَا وفي تُركِستانَ، فأين ستهوِي وأين ستذهبُ؟!

وإذا هَوَتِ الأفئدةُ والتقتْ الوفودُ، فهل يُعقلُ أو يُقبلُ أن يمضِيَ هذا الاجتماعُ وينفضَّ كأن لم يكنْ؟!

ما كانَ هكذا حجُّ المسلمين منذ زمانِ نبيِّهِم ﷺ، بل كان الحجُّ هو مؤتمرَ المسلمين الأكبرُ، وهو مشهدُهم الأعظمُ، وهو ملتقاهمُ الأضخمُ، فمن أكرمه الله بالحجِّ فلا يفوِّتْ هذه الفرصةَ في نصرةِ إخوانِه المكروبِينَ، ومن لم يكن من أهلِ الحجّ في هذا العالَم فليعلمْ أن واجباً أعظمَ من الحجِّ في انتظارِه: وهو واجبُ نصرةِ المسلمين المستضعَفين المظلومين! وكلُّ امرئٍ أعلمُ بما يستطيع!

فإذا صدقَتْ الأفئدةُ، الّتي هي القلوبُ، ظهر هذا في العملِ، كما قيل: من صحّ منه العزمُ أُرْشِدَ للحيلِ، وهو مأخوذ من قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، ومن قولِ نبيِّنا ﷺ: (ألاَ وإنَّ في الجسَدِ مُضغةً، إذَا صلَحَتْ صلَحَ الجسَدُ كلُّهُ، وإذا فسَدَتْ فسَدَ الجسَدُ كلُّهُ، ألاَ وهيَ القلبُ).

كذلكَ إذا صدقتِ الأفئدةُ، الّتي هي الوفودُ، ظهرَ ذلك في الظّفْرِ، وقد قال تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ( 174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 174، 175].



[1] يشير إلى صورةٍ مُرفقةٍ بالمقالِ لخيامِ اللاّجئين والنّازحينَ المضطهدين من أهل غزّة نصرهم الله.

]]>
قرأت لك Fri, 14 Jun 2024 02:49:43 +0000
إلى أطفالِ الحجارةِ https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2953-إلى-أطفالِ-الحجارةِ https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2953-إلى-أطفالِ-الحجارةِ

إلى أطفالِ الحجارةِ 

عُذْرِي إِلَيْكُــمْ أَنَّــنِـــي

لاَ عُــذْرَ لِـي .. لَكِنَّــنِــي

أَدْمَى فُؤَادِيَ جُرْحُكُمْ

وَأَهَمَّـــنِــي .. وَأَغَمَّـنِــي

وَشَعَرْتُ أَنِّي مُذْنِــبٌ

لَوْ أَنَّ طِفْلِــيَ ضَمَّـنِــــي

أَشْلاَؤُكُــمْ مَنْـــثُــورَةٌ

وَنَنَــامُ مِـــلْءَ الأَعْيُــنِ !

وَدِمَاؤُكُـــمْ مَهْــدُورَةٌ

وَنَرُومُ طِيبَ المَسْكَنِ !

عُذْرِي إِلَيْكُـمْ أَنَّـنِــي

مَيْتٌ ... وَلَمَّــا أُدْفَــنِ !

 

[من ديوان: «أحبّك ربّي» (ص 80) لعبد المعطي الدّالاتي] 

]]>
قرأت لك Mon, 30 Oct 2023 07:26:53 +0000
عادَةُ (مُوضَةُ) التّعليق على كُلِّ شيءٍ. https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2937-عادَةُ-مُوضَةُ-التّعليق-على-كُلِّ-شيءٍ https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2937-عادَةُ-مُوضَةُ-التّعليق-على-كُلِّ-شيءٍ

إنَّهُ مع انتشارِ وسائلِ التّواصُل الالكترونيّة المُعاصِرة، أصبَحَ أَغلَبُ مُستَعمِلِيها يَرَونَ ضرورةَ التّعليقِ على كُلِّ شيءٍ ..

والكتابةِ في كُلِّ حَدَثٍ ..

حتّى في الحوادثِ الخاصّةِ، مِثلِ وفاةٍ؛ فَيكتُبُ أحدُهم: تُوُفِّـيَ الآنَ أبِـي ..

وبعضُهم يكتُب: يا أُمِّي، الله يرحمك، اليوم تَمُرُّ سَنَة على وفاتك ..

وبعضُهم يكتُب عن شِجَارٍ وَقَعَ بين جيرانه ..

وبعضُهم يُعَلِّق على طعامٍ، نَشَر صورتَه أَحَدُ الفارغين ... إلى آخره.

وأدهَى مِن كُلِّ ذلك، تعليقُ بعضِ أَهل العِلم الشّرعيّ على كُلِّ حَدَثٍ !

بينما نَرَى العلماءَ الرّاسخين، لا يَفعلون ذلكَ إلاّ فيما تَظهرُ فائدتُه.

وَمِن ذلك: التّعليقُ الخطأُ مِن أَحَد المشايِخ الكويتيّين الفضلاءِ، على بَعض المشايِخ الّذين أرادُوا استغلالَ حَدَثِ كُرةِ القَدَم، لدعوةِ النّاس إلى الإسلام، حَتَّى وَصَلَ ذلك الشّيخُ بِتجاوُزِه إلى أنّه رأى أَنَّ تَركَ الكُفّارِ على كُفرِهم، أولَـى مِن دَعوَتِهِم إلى الإسلامِ على مَنهجِ بعضِ الجماعات الإسلاميّةِ الّتي عندها أخطاء !

يا سُبحان الله ! لو سَكَتَ ذلك الشيخُ الفاضل، لكان أرْيَح لَهُ ولنا.

لماذا لَم يَسَعْهُ مَا وَسِع كِبارَ العلماء، وهو دائماً يُدندِنُ على النّاس - خاصّة الشّبابِ – أنْ يَلتَزِموا منهجَ العلماءِ الرَّبَّانِيِّين ؟

هل غابَ عنه قصّة الرَّجُل الّذي قال له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: ( أَسْلِمْ )، فقال له الرَّجُل: إنِّي أَجِدُنِي كارهًا. فقال له رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: ( أَسْلِمْ، وَإٍن كُنتَ كارهًا ). [رواه أحمد (12061) وهو حديثٌ صحيح].

لكنّ موضةَ التّعليقِ على كُلِّ شيءٍ في هذا الزّمان لـم يَنجُ منها إلاّ القليلُ.

إنَّ المُسلِمَ الواعِيَ يَخشَى أن تكون أَكثَرُ تلك التعليقاتِ داخلةً في التَّكَلُّف الّذي نَهانا عنهُ اللهُ تعالى وَرَسولُه صلّى الله عليه وَسَلَّم.

قال الله تعالى: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ } [ص: 86].

وعَنْ عُمَرَ بنِ الخطّاب رضي الله عنه قال: " نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّف " [رواه البخاري (7293)].

وَعَن الحُسَينِ بنِ علِيٍّ وأَبي هريرةَ رضي الله عنهم عنِ النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: ( مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَركُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ ). [رواه التّرمِذِي (2317) وغيرُه، وهو حديثٌ صَحيحٌ].

ما هُوَ الحَلّ ؟

إنَّه في تَركِ ما لا يَعنينا:

1- مِمَّا لا عِلمَ لنا به.

2- مِمّا لا قُدرةَ لنا عليه.

3- ممّا لا فائدةَ لنا منه.

4- ممّا نَحنُ غير مُطالَبِينَ به، عِلمًا وَعَمَلا.

5- مِمَّا سَكَتَ عنه العلماءُ الرّاسخون المُعاصِرون.

اللّهم ارزقنا الحِكمة في القول والعمل.

كَتَبَهُ أبوسعيد بلعيد بن أحمد الجزائري.

في 06 جمادى الأُولى 1444هجرية / 30 نُوفَمبَر 2022 ميلادية. 

]]>
قرأت لك Wed, 30 Nov 2022 09:04:14 +0000
من "كتشاوة" إلى "أيا صوفيا" https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2829-من-كتشاوة-إلى-أيا-صوفيا https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2829-من-كتشاوة-إلى-أيا-صوفيا

الحمد لله، والصّلاة والاسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد كان ممّا قاله عالِمُ الجزائر وأديبُها الشّيخ الإبراهيميّ رحمه الله في أوّل خطبةٍ له بعد الاستقلال بمسجد "كتشاوة" الّذي استعادَه المسلمون بعد أن حوّله الكفّارُ إلى كنيسةٍ:

" ... هذا المسجدُ هو حصّةُ الإسلام من مغانِمِ جهادِكم، بل هو وديعةُ التّاريخ في ذِمَمِكم، أضعتموها بالأمس مقهورين غيرَ معذورين، واسترجعتُموها اليومَ مشكورين غيرَ مكفورين، وهذهِ بضاعتُكم رُدَّتْ إليكم، أخذها الاستعمار منكم استلاباً، وأخذتموها منه غِلاباً، بل هذا بيتُ التّوحيد عادَ إلى التّوحيدِ، وعادَ التَّوحيد إليه، فالتقيتم جميعاً على قدر ...

يا معشرَ المؤمنين: إنّكم لم تسترجعوا من هذا المسجد سقوفَه وأبوابَه وحيطانَه، ولكنّكم استرجعتم معانِيَه الّتي كان يدلّ عليها المسجد في الإسلام، ووظائفَه الّتي كان يؤدّيها من إقامةِ شعائرِ الصّلوات، والجُمع، والتّلاوة، ودروسِ العلم النّافعة على اختلاف أنواعها، من دينية ودنيوية فإنّ المسجد كان يؤدي وظيفة المعهد والمدرسة والجامعة ".

وكذلكم الحال فيما يخصُّ استرجاع جامع "أيا صوفيا"، فإنّه من أعظم النّعم على المسلمين، لا يدركُها إلاّ من عاينَ وعايشَ زمنَ تحوّله إلى متحفٍ.

وهذا مقال كتبه أديبُ الفقهاء وفقيه الأدباء الشّيخ عليّ الطّنطاويّ رحمه الله سنة ١٩٣٥ تحت عنوان: (الشّريف عدنان)، وهو في كتابه: "من نفحات الحرم" (ص 68-71) يوضّح المقصودَ.

قال رحمه الله:

" كنّا في ( أوتِيل مكّة المكرّمة )، ذلك القصر الفخم الّذي كان للشّريف عدنان حِمىً منيعاً، وحِصناً حصينا ..

وكان خادمُ ( أوتيل مكّة المكرّمة ) قد جاءنِي بأعدادِ "الرّسالة"، فأقبلت أصفحها، وأقرأُ من كلّ مقالةٍ عنوانَها، فرابَنِي منها خبرٌ هائلٌ تصدع لهوله قلوب المؤمنين حزنا وألماً، وتندى له الجباه حياء وخجلا ، وتكِلّ عن وصفه الألسنة دهشةً وتفظّعا.

ذلك أن تلك الجمهورية [يقصِد "تركيا" أيّام أتاتورك] لَم يشْفِ غيظَ قلوبِها كلُّ ما صنعته بالإسلام، وما أنزلتهُ بأهلِه، فعمدت إلى بيتٍ من بيوت الله، تُقام به شعائرُ الله، فجعلته بيتا للأصنام، ومثابةً للوثنيّة ..

أماتت فيه التّوحيدَ، وأحْيَتْ فيه الشّركَ، وطمست منه آيَ القرآن، وأظهرت فيه الصّورَ والأوثان ..

لم تضق بها الأرضُ حتّى ما تجدُ مكاناً لمتحفِها هذا إلاّ المسجدَ الجامعَ.

ولكنّ النّفوسَ الملحدةَ ضاقت بهذا المسجد، وأحسّ أصحابُها كأنّ هذه المآذن في عيونهم، وكأنّ هذه القبّةَ على ظهورِهم ! وعَشِيت أبصارُهم من نور الله فأرادوا ليًطفِئوه بأفواهِهم، ويمنعوا مساجد الله أن يُذكرَ فيها اسمُه ..

فعُطّلت الصّلاةُ في ( أَيا صوفيا ) فلا تقام فيها صلاةٌ بعدَ اليومِ، وسكت المؤذّنُ فلا يدعُو في مآذِنِها إلى الله، ولا يصدع بالتّهليل والتّكبير ..

ونأى عنها المؤمنون فلا يدخلونها إلاّ مستعبِرِين باكين، يندبون فيها مَجْدَ الإسلامِ وعظمةَ الخلافة وجلالةَ السّلطان ..

وذلّ فيها المسلمون وصاروُا غرباء عنها وهم أصحابُها وأهلُوها ..

وعزّ فيها المشركون، وشعروا أنّ ( أَيا صوفيا ) قد خُتِمت فيها صفحةُ الإسلام باسم ( أَتَاتُورك ) كما فتِحَت باسمِ ( محمّد الفاتح ) !

( أَيا صوفيا ) الّتي صِيحَ في مآذِنِها خمسين وثلاثمائة مرّة واثنين وسبعين وثمانمائة ألف مرّة (٨٧٢٣٥٠): "حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ "، "حيّ على الفلاح"، "الله أكبرُ اللهُ أكبرُ"، "لا إلهَ إلاّ اللهُ" .. فاصطفّ فيها المسلمون خاشعةً أبصارُهم، مؤمنَةً قلوبُهم، ساكنةً جوارحُهم، قد وضعوا الدّنيا تحت أقدامهم، ودَبْرَ آذانهم ..

( أَيَا صوفيا ) الّتي بات فيها المسلمون سبعين وأربعمائة ليلةً وأربعا وسبعين ومائة ألف ليلة (١٧٤٤٧٠) ليلةً ولهم في جوفها دويٌّ بالتّسبيح والتّكبير والتّهليل ..

( أَيَا صوفيا ) الّتي يشهدُ كلُّ حجَرٍ فيها، وتشهد أرضُها وسماؤُها، وتشهدُ قبّتُها المشمخرّة، وتشهدُ مآذنُها السّامقةُ، ويشهد اللهُ وملائكتهُ أنّها بيتٌ من بيوتِ الله، وحِصنٌ من حصونِ التّوحيد، ودارٌ من دُورِ العبادة ..

( أَيَا صُوفيا ) تعودُ للجبت والطّاغوت، وتحمِلُ الصّورُ والأصنام، ويخسرها الإسلام والشّرق ليربحها الكفر والغرب ؟!

لقد أُريقت حول ( أَيَا صوفيا ) دماءٌ ذكيّة، وزهقت في سبيل ( أَيَا صُوفيا ) أرواحٌ طاهرةُ من لدن معاويةَ إلى عهد الفاتح، إلى عهد عبد الحميد .. أَفراحت الدّماءُ هدراً ؟ وذهبت النّفوسُ ضياعاً ؟ وعادت بعد سبعٍ وثمانين وأربعمائة سنة (٤٨٧ ) وكأنما لم يذكر فيها الله، ولم يُتلَ فيها القرآن، ولم تَقُمْ فيها الأئمّة ؟ ولم تتجاوب مآذِنُها بالأذان ؟

لقد بنَى المسلمون هذا المجدَ على جماجمهم، وسقَوْه بدِمائِهم، وحَمَوْه بسيوفِهم، ثمَّ وقفوه على الإسلام .. أفيأتِي في ذيلِ الزّمان من يعبث بالوقف ! ويهزأَ بالدّماء ! ويلعب بالجماجم ولا يردعُه رادعٌ ولا يعِظُه واعِظٌ ؟!

ومن هم الأتراك لولا الإسلام ؟

على أيِّ حَسَبٍ يتّكلون ؟ وبأيّ نسَبٍ يفخرون ؟ وبأيِّ ماضٍ يعتزّون ؟ وبأيِّ مجدٍ يُباهُون ؟

أبِمَجْد رعاة البقر في تركستان ؟ أم بِمَجْد "أرطغرل بك " وقد جاء من مشرقِ الشمس بدويا جافيا فقيرا لا يملك إلاّ أعِنَّة ركائبِه، وطُنُبَ خيامِه، يفترشُ الغبراءَ، ويلتحفُ السّماءَ، فصار أحفادُه بالإسلام سادةَ القارّات الثّلاث ؟ ...

وإنّ الإسلام إلاّ يكنْ بالتّرك يكنْ بغيرِهم، ولكنّ التّركَ إلاّ يكونوا بالإسلام لا يكونوا والله بغيره أبداً ...". 

]]>
قرأت لك Sun, 23 Aug 2020 10:44:00 +0000
الدّكتور أمين الزّاوي والنَّجشُ الثّقافِيّ. https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2828-الدّكتور-أمين-الزّاوي-والنَّجشُ-الثّقافِيّ https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2828-الدّكتور-أمين-الزّاوي-والنَّجشُ-الثّقافِيّ

كتب الرِّوائيّ والقَصَّاصُ أمين الزّاوي مقالاً بعنوان "ابْنُ باديسَ خاصَّتِي"، حاول فيه أن يُثبتَ أنَّ ابنَ باديسَ كان علمانِيًّا، خلافاً لما هو معروف شائعٌ عند النّاس عامّةً.

إنّه إذا استقامَ منطقاً عند أمينٍ الزّاوي أن يَحكُمَ على ابن باديس رحمه الله بأنّه علمانِيٌّ؛ بسببِ بضْعِ مسائلَ نسبَها إليه، فلماذا يُلَامُ مَن حَكَمَ على أمينٍ الزّاوي وكمالٍ داودَ وأمثالِهم بأنّهم "زُنَاة التّاريخ"، و"أعداء القِيَم والثّوابت" مع استظهارِ مئاتِ الحُججِ والأدلّة الثّابتة والصّريحة مِن كلامهم ومواقفهم ؟!

إنّ إعراضَ الزّاوي عن المُحكَم من تراثِ ابنِ بادِيس وتفسيرِه ومقالاتِه وسيرتِه، والتمسُّكَ بمسائلَ مُحتمِلاتٍ، مخالفٌ لطرائقِ العقلاء، ومجانبٌ لمناهجِ الأُمناء.

مَثَلُ صنيعِ الزاوي كَمَثَلِ الّذي رأَى شامةً سوداءَ (خالا) في وجنَةِ غادَةٍ حَسْنَاءَ، فزعم من أجلِ ذلك أنَّ أصلَها من (تُمْبُكتُو).

يقول الزّواي في مقاله: "إنّ زوجةَ ابنِ باديسَ لَمْ تَرْتَدِ الحجابَ أبداً" !

إنّ كثرةَ توظيفِ الرِّوَائِيّين للخيالِ تجعلُهم أحياناً لا يُفرّقون بين الحقائق والهَوَس؛ ولذلك لا ينفكُّ أسلوبُ الزّاوي عن السّرد الرّوائي.

وقد وجدتُ الصِّحافِيَّ حميدة العيّاشي يَدَّعِي أنّه رأى صورةَ زوجةِ ابنِ باديس في الأرشيف !

وعلى التّسليمِ بصحّة وجودِ الصّورة وحقيقةِ صاحبتِها تبقَى الحاجةُ ماسّةً لبيانِ تاريخ التقاطِها؛ لأنّ ابنَ بادِيسَ تزوَّج وعمرُهُ خمسَ عشْرَة سنةً.

ثمّ إنّ نزعَ الحجابِ لمجرَّدِ أخذِ صورةٍ تَذكاريّةٍ كالّتِي نجدُها لأمّهاتِنا وجعلَ الصّورةِ حبيسةَ الألبومِ لا يجعلُ مِن صاحبتِها غيرَ مُحجَّبةٍ.

ثمّ أين الزّاوي من فتاوَى ابنِ باديسَ الصَّريحةِ في وجوبِ الحجاب، وهي موجودةٌ في كتبِه المطبوعة ؟

- من الأشياء التي احتجَّ بها الزّاوي على علمانيّة ابن باديسَ: "سماعُه الموسيقَى، وحضورُ المسرحِ، وتذوُّقُ الأدبِ".

وهي قضايا فرعيّةٌ اختلفت فيها آراءُ الفقهاءِ، ولا اختصاصَ لها بالعلمانيّة ولا بالبوذيّةِ.

- وأمّا ما احتجّ به الزّاوي من "تفضيل ابن باديس لمدارس الحكومة العلمانيّة"، فإنّه لا يستقيمُ بإطلاقٍ؛ إذْ إِنّه في مرحلةِ الاستعمار كان التّعليمُ تحت إشراف الدّولة الفرنسيّة عن طريق مؤسّساتها، ولا شكَّ أن ضرورةَ التعلُّم تجعلُ المسلمَ العاقلَ يُفضِّل ويختارُ المدارسَ الَّتي تقتصر مناهجُها على العلمِ المادّي المحض على مدارسِ لافيجري الكَنَسِيَّةِ.

كلُّ الأمورِ عند الزّاوي سواءٌ؛ فالاضطرارُ عنده كالتّخيير، والضّيقُ كالسَّعَةِ، والمحتَّمُ الّذي ما منه بُدٌّ مثلُ الّذي يكونُ لك فيه مطلقُ التصرّفِ، على طريقة القائل:

( ما الأمرُ إلاّ نَسَقٌ واحدُ )

- ويذكر الزّاوي في مقاله: أنّ ابنَ باديسَ شجَّع تعليمَ اللّغة الفرنسيّة.

لا شكَّ أنّ الكاتبَ يَعرِف أنَّ الْمُتاحَ في الفترة الَّتي عاش فيها ابنُ بادِيسَ هو تعلُّمُ اللّغة الفرنسيّة؛ فهي لغةُ التّعليمِ في المدارسِ الجزائريَّة الرّسميّة، وهي لغةُ العلمِ، ولغةُ المستعمِرِ الّذي تربِط الجزائريَّ بهِ روابطُ اجتماعيّةٌ، وتتّصل شؤونُه ومصالحه بها.

- ومما احتجَّ به الزّاوي أيضا مدحُ ابن باديس للعلمانيّة، ومدحُه لأتاتورك.

والّذي جهِلَه الزّاوي أنّ الشرَّ المحضَ لا يكاد توجدُ له حقيقة، وقد يكونُ المدح باعتبارِ ما في الشَّيء أو الشّخص من جوانبِ النَّفع والصّلاح، فمدحُ وفاءِ السّموألِ - مثلاً - أو الإشادةُ بإجادَة امرئِ القيس لا يعني مدحاً لليهوديّة ولا ثناءً على المجون.

والقاعدة عند العقلاء أنّ الأحكامَ كما تختلف بالحقيقة تختلف بحسب اختلاف الاعتبار.

إن الزّاوي خبيرٌ في "غسيل الأفكار"؛ فقد سطَا على عفَن كلامِ وتحليلاتِ واستنتاجاتِ الصِّحافيّ حميدة العياشي حولَ ابنِ باديس، وحاول أن يُخْفِيَ ذلك السَّطوَ متظاهراً بالقراءة الموضوعيّة لتراثِ ابنِ باديسَ، والإحاطةِ بالمؤلَّفات المكتوبةِ حولَه وبسَبْرِ حقائقها، ومحاولاً إيهامَ القارئِ أنّه يكتُب بعقل البَاحث "المسكون بالتّساؤل"، حتّى انتهى إلى تسويقِ مقالٍ مسروقٍ بعنوانٍ يُمْعِن في إخفاء السّرقة "ابنُ باديس خاصّتِي ""Mon Ben Badis à moi".

إنّ دراسةَ فكرِ ابنِ باديس واختياراتِه شأنُ الأُمَنَاء من الباحثين والمؤرّخِين، ويحتاجُ إلى إحاطةٍ بتراثِه المكتوبِ والشّفهيِّ، وإدراكٍ تامٍّ للبِيئَةِ الّتي عاش فيها والتّحدّيات الّتي واجهَهَا.

إنّ الجمعَ بين ابنِ باديسَ والعلمانيّة كالجمع بين أَمينِ الزّاوي والحياء.

إذْ كيف يأتلفُ ابنُ باديسَ والعلمانيّة وكلُّ صادقٍ يعرِف أنّ إمامَ النَّهضة ابنَ باديسَ وفكرَه ومشروعَه هو الَّذي قوَّضَ أركانَ الهيكل التّغرِيبِيّ، ونسفَ قواعدَ المشروعِ العلمانِيَّ في هذا البلد المبارك ؟!

إنّ كسادَ سوقِ عفنِ العلمانيّة في الجزائر وتَرَهُّلِ أفكارِها هو الّذي جعلَ الزّاوي يحاول أن يسوِّق لها بهذا الإعلان الذي هو من أبشع مظاهر "النَّجش الثقافي".

]]>
قرأت لك Wed, 29 Apr 2020 17:56:45 +0000
( طالبُ العلم في زمن «الكورونا» !). https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2818-طالبُ-العلم-في-زمن-الكورونا https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2818-طالبُ-العلم-في-زمن-الكورونا

مقتطفات من ( طالبُ العلم في زمن «الكورونا» !).

(1)

تمرُّ على طالب العلم أزمنةٌ ذهبيَّةٌ لتحصيله المعرفي، يتهيَّأ له فيها من سعة الوقت وانصراف الشواغل ما يكون عونًا له على الخَطْوِ واسعًا في طريق تحصيله .. هذه الأزمنة هي ما يبرهن على صدق طلبِه إنْ هو استغلَّها، ومتى ما فرَّطَ في هذه الأزمنة المهداة كان ذلك طعنًا في عدالة جدِّيته.

عليه في هذه الأزمنة: أن يسعى في تكثيفِ تحصيله، وسدادِ ديونه العلمية، أن يقلِّب دفتر المهام، ويقيِّدُ ما عسى أن ينجزه من مشاريعَ وأعمال، ثم يبسطَ سجادة قراءته، ويبدأ في تسجيل أرباحه العلمية دون فتور.

وفي هذه الأيام نعيشُ مرحلةً عصيبةً بفُشُوِّ هذا الوباء «كورونا» -كفى الله المسلمين شرَّه-، حتى اضطرَّ واحدُنا للزوم بيته، وتجرَّع الناسُ مرارةَ هذا الاضطرار، وامتُحِنَ صبرُهم في دقائقه الأولى فنَفِدَ أو كاد .. وأما الموفَّقُ فهو من يقرأ في صفحات هذه المِحْنة نصوصَ المِنَح، ويبحث في فجواتها عن مسالكَ ينفُذُ من خلالها إلى مدارج الرقي والرفعة، وينشغل بتحصيل العلوم، ناويًا بذلك التقرُّبَ إلى الله تعالى ومدافعةَ البلاء بصالح العمل، والعلمُ من أشرفِ ذلك وأرفعِه.

وقد قال الخليل بن أحمد (170هـ): (إني لأغلق عليَّ بابي، فما يجاوزُه همِّي)[1]. ولذلك بلغ أنْ كان الخليلَ .. ونحنُ، فقد أُعِنَّا بأنْ غُلِّقَتْ أبوابنا، فلنُرِ أنفسَنا من منجَزَاتنا خيرا.

(2)

قال أحمد أمين (1373هـ): (قليلٌ من الزمن يُخصَّص كلَّ يومٍ لشيءٍ معيَّنٍ قد يغيِّرُ مجرى الحياة، ويجعلُكَ أقومَ مما تتصوّر وأرقى مما تتخيَّل)[2].

وقال مارون عبود (1381هـ): (إنَّ ساعةً تُنتَزَعُ كلَّ يومٍ من ساعات اللَّهْوِ وتُستَعمَلُ فيما يفيد تُمكِّنُ كلَّ امرئٍ ذي مقدرةٍ عقليَّةٍ أن يتضلَّعَ من علمٍ بتمامه)[3].

وفي زمن «الكورونا»، بوُسْعِ طالب المعرفة أن يخَصِّصَ الكثير لا القليل، ساعاتٍ لا مجرَّد ساعة ..

وإذا واظب في هذه الأيام على ذلك الكثير وتلك الساعات كان خليقًا بحصد الكثير من المنجَزَات، وما عليه ليتمكَّن من ذلك إلا التحلِّي بحِلْية الصَّبر، وللصبرِ -كما يقول ابن الجوزي- حَلاوةٌ تبين في العواقب.

ولأنَّ هذه المرحلة عابرةٌ لا قارَّة، استثناءٌ لا أصل، محدودةٌ لا ممدودة، فمِنَ الرأيِ لطالب العلم أن يخصص لها مشروعًا ينقطعُ له ويقبلُ عليه، مشروعًا علميًّا متكاملًا يحقِّق به طالبُ العلم منجَزًا في أحد مجالات العلم والمعرفة.

هذا المشروع من شأنه أن يكون قصيرَ المدى، ولكنه عظيمُ الفائدة والعائدة، له مبدأٌ ومنتهًى، يُحقِّقُ به المرءُ مُنجَزًا معرفيًّا مكتملَ الأركان، أيًّا ما كان ذلك المشروع، قراءةً أو حفظًا أو تأليفًا أو غير ذلك.

(3)

قال أبو هلال العسكريُّ (400هـ): (اجتهدْ في تحصيل العلم لياليَ قلائلَ، ثمَّ تذوقْ حلاوة الكرامة مُدَّةَ عمرك، وتمتَّع بلذَّة الشرف فيه بقيَّة أيامك، واستَبْقِ لنفسِك الذِّكرَ به بعد وفاتك)[4].

... اجعل لمجلس مشروعك حُرْمَةً لا تُنتَهَك، لا تزاحمْه بغيره، حدِّد له أوقاتًا لا يشاركه فيها غيره، وأوَّلُ ذلك أن تخلِّص مجلسك من وسائلِ التواصل الاجتماعي .. اُركُلْ -بلا رحمةٍ- هاتفَك بعيدًا عنك، ولا تخفْ، فلن يتواصل معك أحدٌ لتُسعِفَ العالم بلقاحٍ لا يعرفه سواك! ثم إن لك في هامش يومك سعةً في متابعة ما تشاء من وسائل التواصل، وأمَّا زمن فاعليَّة المشروع فاجعله خالصًا له.

...............................................................

(8)

- كان أبو عبد الله البصري يُصنِّف والشدائدُ تنهَشُ حالَه، حيث لا طعامَ عنده ولا شراب، وقد دخل عليه أبو الحسن الأزرق يومًا وهو يصنف، فأراد ماءً عنده فلم يجده، وبحث عن طعام فلم يحصِّله، فقال لأبي عبد الله: (أتصنِّفُ ولا طعامَ ولا شرابَ عندك وأنتَ جائع !). فوضع أبو عبد الله قلمه والجزء الذي بين يديه وقال: (إذا تركت التعليق هل يحصل الطعام والشراب؟). قال: (لا). فقال أبو عبد الله: (فَلَأَنْ أعلق ولا يضيع وقتي أولى!).

- وكتب عبد الرحمن بن محمد الزبيري (في أيام عطلته كثيرًا من كتب العلم، كـ «الروضة» و «المهمات»، وكان لضيق حاله عن شراء الورق يكتب في أوراق التقاليد والمراسيم وما أشبهها).

- كما كتب نصر الدين الطوسي كتابه «رسالة أخلاق ناصري» لما كان محبوسًا عند القرامطة في قلعة «الموت».

- وصنّف السرخسي الحنفي موسوعته الجليلية «المبسوط»، والمطبوعة في (30) مجلدًا وهو محبوسٌ في بئر، وكان يقيد ذلك في خواتيم بعض الأبواب، كقوله بعد فراغه من أبواب العبادات: (هذا آخر شرح العبادات بأوضح المعاني وأوجز العبارات، إملاء المحبوس عن الجُمَع والجماعات)[5].

والأخبار في هذه الباب كثيرة، فلم تقعد بهؤلاء الأكابر عن تحصيل الفضائل فاقةٌ ولا شدَّة، بل ربما كانت تلك الأحوالُ منطَلَقًا لكثيرٍ من أعمالهم ومشاريعهم .. وإذا نظرت في الموسوعات التراثية التي صنفها أعلامنا، ثم قلَّبتَ طرفك في واقع حياتهم وما عليه مجتمعاتُهم وجدت أن كثيرًا من تلك الموسوعات صُنِّفَت تحت ظلال الشدائد.

ولا تزال تطوف بخاطري تلك الجملة التي وَصف بها الشيخ عبد الله البسَّام (1423هـ) الشيخَ عبد الله بن حسن آل الشيخ (1378هـ) في أثناء ترجمته له .. أعني قولَه عنه:

(وفي الوقت الذي انشغل الناس فيه بالفتن والمحن شَغَلَ نفسه بتحصيل العلوم وإدراك الفضائل ومعالي الأمور)[6].

ما أعظمَها ! هذه القدرة الفائقة على التحكُّم بالنفس وضبط اشتغالاتها.

العلمُ -يا صاحبي- عزيز، ومن عزِّته نفرتُه من الهموم المشاركِة.

صاحبي .. لا تُهدِر وقتك بفُتات الأخبار فإنها لا تنقضي، ولا تُهْلِك زمنك بما عليه غالب الناس من سفاسف الاهتمامات، ويرحمُ الله التاجَّ السبكيَّ (771هـ) الَّذي أدرك ما ينبغي أن يُملَأَ به وقتُ طالب العلم، ويُجمَعَ عليه همُّه، فكتبَ بمدادٍ مِلْؤُهُ الضَّنُّ بهَمِّ طالب العلم أن يُصرَفَ عمَّا خُلِق له بعد أن أورد طرفًا من أخبار التتار وجنايتهم على أهل الإسلام:

(ومن النَّاس من أفرد التصانيف لأخبارهم، وَيَكْفِي الفَقِيهَ مَا أوردناه، فأوقاتُ طالبِ العلمِ أشرفُ أن تضيعَ في أخبارهم إلَّا للاعتبار بها)[7].

وأنتَ .. فخُذْ من خبر «الكورونا» ما تحفظ به نفسَك، واستثمرْ ما أُحِيط به هذا الوباء من عزلٍ وحجرٍ بما تنمِّي به عقلك وتُعلِي معرفتك، ودعْك مما ضيَّع به الناس أنفسَهم في أوقاتِ المحن، من الانشغال بما لا يعنيهم عما يعنيهم، ففاتهم بذلك خير الدنيا والآخرة.



[1] سير أعلام النبلاء (7: 431).

[2] فيض الخاطر (3 :85). 

[3] حبر على ورق (172).

[4] الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه (5).

[5] انظر هذه الأخبار بإحالاتها في: «الحكمة العربية – دليل التراث العربي إلى العالمية» لـ د. محمد الشيخ (423 – 424).

[6] علماء نجد خلال ثمانية قرون (1: 231).

[7] طبقات الشافعية الكبرى (1: 342).

]]>
قرأت لك Fri, 27 Mar 2020 22:01:49 +0000
مقولة: ( العلم يُؤْتَى ولا يأتِي ) في الميزان. https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2762-مقولة--العلم-يُؤْتَى-ولا-يأتِي-في-الميزان https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2762-مقولة--العلم-يُؤْتَى-ولا-يأتِي-في-الميزان

قال البشيرُ الإبراهيميُّ رحمه الله في مقاله الماتع "وظيفة علماء الدّين".

« إنَّ علماءَ القرونِ المتأخّرةِ رَكِبتهم عادةٌ من الزَّهوِ الكاذبِ والدّعوى الفارغة، فَجَرَّتهم إلى آدابٍ خصوصيةٍ، منها: أنّهم يَلزَمون بيوتَهم أو مساجدَهم كما يلزمُ التّاجرُ متجرَه ! وينتظرون أن يأتيَهم النّاسُ فيُعلّمُوهم !

فإذا لم يأتِهم أحدٌ تسخّطوا على الزّمانِ وعلى النّاس.

ويتوكَّؤون في ذلك على كلمةٍ، إن صدقتْ في زمان، فإنّها لا تصدقُ في كلِّ زمان، وهي:

( إِنَّ العِلْمَ يُؤْتَى ولاَ يَأْتِي ).

وإنّما تصدقُ هذه الكلمةُ في علمٍ غيرِ علمِ الدِّين..

وإنّما تصدقُ بالنّسبة إليه في جيلٍ عرف قيمةَ العلمِ فهو يسعى إليه.

أمّا في زمنِنا وما قبله بقرونٍ، فإنّ التّعليمَ والإرشادَ والتّذكيرَ أصبحت بابًا من أبواب الجهاد.

والجهادُ لا يكون في البيوت وزوايا المساجد، وإنّما يكون في "الميادين"، حيث يلتقي العدوُّ بالعدوِّ كفاحًا.

وقد قال لي بعض هؤلاء - وأنا أحاوره في هذا النّوع من الجهاد، وأعْتِب عليه تقصيرَه فيه -:

"إنّ هذه الكلمةَ قالَها مالكٌ للرّشيد ".

فقلت له: إنّ هذا قياسٌ مع الفارق في الزّمان، والعالِم، والمتعلّم.

أمّا زمانُك هذا، فإنّ هذه الْخَلَّةَ منك ومن مشائخك ومشائخهم[1] أدَّتْ بالإسلام إلى الضّياع، وبالمسلمين إلى الهلاك:

فالشّبهاتُ الّتي تَرِدُ على العوامّ لا تَجدُ من يطردُها عن عُقولِهم، ما دام القسّيسون والأحبارُ أقربَ إليهم منكم، وأكثرَ اختلاطًا بهم منكم. والأقاليم الإفرنجيّة تغزو كلَّ يومٍ أبنائي وأبناءَك بفتنةٍ لا يبقى معها إيمانٌ ولا إصلاحٌ.

ففي هذا الزّمن يجب عليَّ وعليك، وعلى أفرادِ هذا الصّنف أن نتَجَنَّد لدفع العوادِي عن الإسلام والمسلمين، حتى يأتِيَنَا النّاس؛ فإنّهم لا يأتوننا، وقد انصرفوا عنّا وليسوا براجعين.

وإذا كان المرابطون في الثّغور يقفُون أنفسَهم لصدِّ الجنودِ العدوَّة المغيرة على الأوطان الإسلامية، فإنّ وظيفةَ العلماءِ المسلمين أن يقِفُوا أنفسَهُم لصدِّ الْمعانِي العدوَّة المغيرة على الإسلام وعقائده وأحكامه، وهي أفْتكُ من الجنود؛ لأنّها خفِيّةُ المَسَارِب، غرَّارةُ الظّواهر، سهلةُ المداخل إلى النّفوس، تأتِي في صورةِ الضّيف، فلا تلبثُ أن تطردَ ربَّ الدّار ... » اهـ.

"آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي" (٤/١١٧).



[1] شاع همز المشايخ لفظا، حتّى صاروا يُهمزون معنًى. والصّواب أنْ يُقال: (مشايخ) بالياء؛ لأنّ الياء أصليّة من الكلمة، وإذا كانت الياءُ زائدةً كما في "جريدة" و"صحيفة" فإنّها حينئذٍ تُهمز. أمّا همز "المصائب" فمن المصائب، فلا يُقاس عليها.

]]>
قرأت لك Mon, 02 Dec 2019 15:33:03 +0000
لكم الله يا أهل غـزّة ... https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2753-لك-الله-يا-غـزّة https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2753-لك-الله-يا-غـزّة

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فهذه خاطرة من الخواطر وكلمة من كلمات شيخنا الفضيل، وعالمنا الجليل، الشّيخ بن حنفيّة العابدين حفظه الله، وبارك في عمره وعلمه وعمله، تتعلّق، لا أقول بما يجري من أحداث، ولكن بما يجري من دماء ويُحفرُ من أجداث، لإخواننا المستضعَفين في فلسطين، المُحاصَرين من قِبلِ كيد الأعداء وخذلان الأشقّاء، فرّج الله عنهم كربتَهم، وأزال عنهم غربتَهم، آمين.

( معظمُ دُولِ الْمسلمين اليومَ في أدنَى دركاتِ الاهتمام بما يجري في فلسطين.

والإثْم لاحِقٌ كلَّ قادرٍ مقصِّرٍ.

لقد قاتلَتْ بعضُ جيوشِها من أجلِ فلسطين قبلَ سبعينَ سنةً، ثمّ تراجعتْ إلى الدَّعمِ بالْمالِ والسّلاح !

ثمّ انتقلتْ إلى الشَّجبِ والاستنكارِ !

ثمّ إلى الصّمتِ !

وبعضُها إلى التّآمر في خفاء ...!

وأخشى أن تكونَ بعضُ الدُّولِ في الطّريق إلى التّأييدِ العلَنِيِّ لما تقومُ به دولةُ اليهودِ من تقتيلٍ وتدميرٍ.

مضى الزّمنُ الّذي كان فيه المسلمُ ينسَى حالَه لِحالِ أخيهِ، كما قال القائلُ متأثّراً بِمَوجةِ القوميّة العربيّة، حتّى جعلَ هواه هوى العربِ، مع أنّ هذا - على شرّه - قد فَقَدَهُ العربُ اليومَ، فلا نخوَةَ ولا شهامَةَ، ولا عزَّةَ ولا كرامةَ:

أَيَا فَلَسْطِـينُ الَّتِـي  كِـدَْنا لِـمَا *** كَابَدْتِـهِ مِنْ أَسًـى نَنْسَى أَسَانَا 

نَحْنُ - يَا أُخْتُ - عَلَى العَهْدِ الَّذِي *** قَدْ رَضَعْنَـاهُ مِنَ الْمَهْـدِ كِلاَنَا 

مَكَّـةُ والقُـدْسُ مُنْـذُ  احْتَلَمَـا *** كَعْبَتَانَا، وَهَـوَى العُـرْبِ هَوَانَا

قد تختلفُ مع أخيك في أمرٍ أو أمورٍ، وقد يكون عقَدِيّاً أو منهجِيّاً ...

وقد تخالفُه فيما اختارَه من طريقةِ التّعامل مع عدوِّكَ وعدوِّه ..

وقد تأخذُ عليه موقِفَه من سلطَةِ بلدِه فيما يبدو لك ..

فهلْ هذا مسوِّغٌ لأن ينقَطِعَ بينَك وبينَه حبْلُ الولاءِ والنُّصرة ؟! فتسكتُ على ما يلحقُه من تقتيلٍ وتدمير ؟

وكيف إذا صِرْت يغِيظُك ما ينبغِي أن يسُرََّك من وسائلِ قتالِه الَّتي تعنى في ابتكارها وتطويرها، وإدخال الرعب في قلب عدوه بها ؟

ولنفرض أقصى ما يمكن فرضه - وهو ما قلته قبل ثلاثين سنةً أثناءَ الحربِ على العِرَاقِ، يومَ سوَّغَ بعضُهم الانخراطَ في قتالِ هذا البلدِ إلى جانبِ الدّول المتحالفةِ ضدَّه، وعلى رأسها أمريكا وأوروبا، بحجّة أنّ نظامَه بعثِيٌّ (...)- فهل الأنظمة هي الشعوب ؟

لنذكرْ - وما العهدُ ببعيدٍ - أنّ من الأسبابِ الْمباشرَةِ لارتِمَاء النّظامِ السّوريّ في أحضان إيرانَ وروسيا طردَه من الجامعة العربيّة، وبعد أن خرِبَتْ سوريا وصارت أثراً بعد عين، وتقاسمت الأرضَ فيها والنفوذَ بعضُ دولِ الجوارِ والشّرقِ والغربِ، يجري التّفكير اليوم بإلحاحٍ لإرجاعِها إلى هذه الجامعةِ !

ولِمَ لا ترجعُ وقد تحقّقت المقاصد الّتِي من أجلها طُرِدَت ؟!

لسنا ندري الْمآلَ الّذي سيقضي إليه هذا الخذلانُ لأهلِ غزَّة خصوصاً، ولأهلِ فلسطين عموماً، فاللّهمّ سَلِّمْ ) اهـ.

18 ربيع الأول 1441 .

]]>
قرأت لك Mon, 18 Nov 2019 13:34:03 +0000
- دمْعةٌ على الإسْلاَم. https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2665-دمْعةٌ-على-الإسْلاَم https://www.nebrasselhaq.com/2010-06-14-20-19-51/item/2665-دمْعةٌ-على-الإسْلاَم

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فإنّه " لو سألنا السّمكة في الحوض المائيّ: ما تعرفين عن الماء ؟ لأقْسَمَتْ أنّه ليس هناك غير هذا الماء الّذي تسبح فيه ".

عبارة قالها أحد الفلاسفة ليشير إلى أنّ الّذي يبقى في مكان لا يبرحه، ومقامٍ لا يتركه، فإنّه سيضيق علمُه، ويضعف إدراكُه، وتنعدم خُبرتُه.

لذلك أمر الله تبارك وتعالى بالسّير في الأرض للاعتبار والنّظر، وتلقيح الأفهام والفِكَر. فما كان من خير ومعروف أذعناه، وما كان من شرّ ومنكر أزلناه.

وقد أدرك الأعداء ذلك؛ فسارعوا إلى شلّ حركاتنا، وتكبيل أرجلنا، لا ليصدّونا عن السّير في الأرض فحسب، بل ليصدّونا عن مطلق السّير ! فوجّهونا إلى أن نعيشَ يوميّا، عالَماً وهميّاً، لا نملك فيه من أدوات التّغيير إلاّ لوحةً تعبث بها أناملُنا، ونعلّق عليها آمالنا، وننسى بها آلامنا !

والحقيقة أنّ قطرنا فسيح كبير، وأهلَه ينتظرون منّا الكثير. فلا ينبغي التشبُّهُ بالسّمكة.

" دمعةٌ على الإسلام " مقال من أروع ما خطّته يمين الأديب الألمعيّ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله، من كتابه " النّظرات".

عاد هذا المقال إلى ذهني في الأيّام الأخيرة، وأنا في قلب إحدى المعارك الدّعويّة، كنت فيها أذكّر زوّار أحد "الأضرحة" في غرب البلاد بخطرِ ما هم عليه، وعِظَم ما سيصيرون إليه، فكان منهم: المستجيب عن قناعة، والمجامل العازم على الرّجوع بعد ساعة ! ومنهم الّذي لا ترجو منه التفاتا ولا استماعا !

حتّى أقبلت عليّ عجوزٌ رؤوم، ساقَها إلى هذا المكان هموم وغموم، وابنٌ ظلومٌ وجارٌ غشومٌ .. غافلةً عن خير الرّاحمين، وربّ العالمين !

فما كان منها إلاّ أن صوّبتنِي في كلّ كلمةٍ قلتُها، وفي كلّ نصيحةٍ بذلتُها، ولكن: ( انصرِف، فإنّ القائم على الضّريح قد أخبر السّلطات ...) الخ.[1] 

فاشترطْتُ عليها أن تغادر هذا المكان برفقتي، وأنْ تسبِقَ خطواتها خطوتي، وأن تلجأ إلى من بيده ملكوت السّماوات والأرض:{ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } [النّمل:62].

انصرفتُ، وأنا ألقِي نظرةً على الوافدين والوافدات .. لم أعُد أملك لهم شيئاً حتّى الكلمات، فأهديتهم وابلاً من العبرات ..

هناك تذكّرت مقالة أديبنا المنفلوطيّ رحمه الله " دَمعَةٌ على الإسْلامِ "، حيث قال:

" كتب إليّ كاتبٌ من علماء الهندِ كتابا يقول فيه: إنه اطلع على مؤلَّف ظهر حديثا ... موضوعُه تاريخ حياة السيّد عبد القادر الجيلاني وذكر فضائله وكراماته, فرأى فيه من بين الصّفات والألقاب الّتي وُصِف بها السيّدُ عبدُ القادر ولُقِّب بها: صفاتٍ وألقاباً هي أجدرُ بمقام الألوهيّة منها بمقام النبوّة, فضلا عن مقام الولاية ! كقوله:"سيّد السّموات والأرض" ! و"النفّاع الضرّار" ! و"المتصرّف في الأكوان" ! و"المطّلع على أسرار الخليقة" ! و"محيي الموتى" ! و"مبرئ الأعمى والأبرص والأكمه" ! و"أمره من أمر الله" ! و"مَاحِي الذّنوب" ! و"دافع البلاء" ! و"الرّافع الواضع" ! و"صاحب الشريعة" ! و"صاحب الوجود التام" ! إلى كثير من أمثال هذه النّعوت والألقاب ".

ويقول الكاتب: إنّه رأى في ذلك المؤلَّف فصلاً يشرح فيه المؤلِّفُ الكيفية الّتي يجب أن يتكيّفَ بها الزّائر لقبر السيّد عبد القادر الجيلاني, يقول فيه:

"أوّل ما يجب على الزّائر: أن يتوضّأ وضوءا سابغا, ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار, ثم يتوجه إلى تلك الكعبة المشرفة, وبعد السلام على صاحب الضريح المعظم يقول:

"يا صاحب الثقلين أغثني وأمدني بقضاء حاجتي، وتفريج كربتي".

"أغثني يا محيي الدين عبد القادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني يا سلطان عبد القادر، أغثني يا بادشاه عبد القادر، أغثني يا خوجه عبد القادر".

"يا حضرة الغوث الصمداني, يا سيدي عبد القادر الجيلاني عبدك ومريدك مظلوم عاجز, محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة ".

ويقول الكاتب أيضا: إن في بلدة "ناقور" في الهند قبرا يسمى "شاه الحميد" وهو أحد أولاد السيد عبد القادر كما يزعمون, وإن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودهم بين يدي الله، وإن في كل بلدة وقرية من بلدان الهند وقراها مزارا يمثل مزار السيد عبد القادر, فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد, والملجأ الذي يلجئون في حاجاتهم وشدائدهم إليه، وينفقون من الأموال على خدمته وسَدَنته وفي موالده وحفلاته ما لو أنفق على فقراء الأرض جميعا لصاروا أغنياء!

هذا ما كتبه إلي ذلك الكاتب، ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني, فما أُبصرُ ممّا حولي شيئاً، حزناً وأسفاً على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام أنكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا عهد له بها، ولا قِبَل له باحتمالها.

أيُّ عينٍ يجمل بها أن تستبقِيَ من شئونها قطرةً لا تريقُها أمام هذا المنظر المؤثّر ؟ منظر أولئك المسلمين وهم ركّع سجّد على أعتاب قبر ميت ربما كان بينهم من هو خير منه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته !

أيُّ قلبٍ يستطيعُ أن يستقرّ بين جنْبَي صاحبِه ساعةً واحدةً فلا يخفق وجدا أو يطير جزعا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر المشركين إشراكا بالله، وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات.

لماذا ينقم المسلمون التثليث من المسيحيين ؟! ولماذا يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة وذلك الضغن ؟! وعلام يحاربونهم وفيم يقاتلونهم، وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم ؟!

يَدِينُ المسيحيّون بآلهة ثلاثة, ولكنّهم كأنّهم يشعرون بغرابةِ هذا التعدّد وبعدِه عن العقل, فيجملون فيه يقولون: إنّ الثّلاثة في حكم الواحد. أمّا المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة، أكثرُها جذوعُ أشجارٍ، وجثثُ أمواتٍ، وقِطَعُ أحجارٍ من حيث لا يشعرون !...

جاء الإسلام بعقيدة التّوحيد ليرفع نفوسَ المسلمين، ويغرِسَ في قلوبهم الشّرفَ والعزّةَ والأنفةَ والحميّةَ, وليعتق رقابهم من رقِّ العبودية فلا يذِلُّ صغيرُهم لكبيرِهم، ولا يهابُ ضعيفُهم قويَّهم، ولا يكون لذِي سلطانٍ بينهم سلطانٌ إلاّ بالحقّ والعدل، وقد ترك الإسلام بسرّ عقيدة التّوحيد ذلكَ الأثرَ الصّالحَ في نفوس المسلمين في العصور الأولى، فكانوا ذوي أنفة وعزة وإباء وغيره, يضربون على يد الظّالم إذا ظلم، ويقولون للسّلطان إذا جاوز حدّه في سلطانه: لا تغلُ في تقدير نفسك ! ولا تخرجْ عن دائرتك؛ فإنّما أنت عبد مخلوق لا ربّ معبود ! واعلم أنّه لا إله إلا الله.

هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد.

أمّا اليومَ، وقد داخلَ عقيدتَهم ما داخلَها من الشّرك الباطنِ تارَةً، والظّاهرِ أخرى، فقد ذلّت رقابُهم، وخفَقت رؤوسُهم، وضرَعَت نفوسُهم، وفترت حميتهم، فرَضُوا بخطّة الخسف، واستناموا إلى المنزلة الدّنيا, فوجد أعداؤُهم السّبيلَ إليهم، فغلبوهم على أمرهم, وملكوا عليهم نفوسَهم وأموالَهم ومواطِنَهم وديارَهم، فأصبحوا من الخاسرين.

والله لن يسترجَعَ المسلمون سالفَ مجدِهم، ولن يبلُغوا ما يريدون لأنفسِهم من سعادةِ الحياةِ وهنائِها، إلاّ إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإنّ طلوعَ الشّمس من مغربِها وانصبابَ ماء النّهر في منبَعِه أقربُ من رجوع الإسلام إلى سالفِ مجدِه ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاَنِيّ كما يقفون بين يدي الله, ويقولون للأوّل كما يقول للثّاني جلّ جلاله:" أنت المتصرّف في الكائنات، وأنت سيّدُ الأرضين والسّموات ".

إنّ الله أغْيَرُ على نفسِه من أن يُسْعِد أقواما يزدرونه ويحتقرونه ويتّخذونه وراءهم ظهريّا، فإذا نزلت بهم جائحة أو ألَمّت بهم ملمّة، ذكروا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه !

بمن أستغيث ؟ وبمن أستنجد ؟ ومن الّذي أدعو لهذه الملمّة ؟ أأدعُو علماءَ مِصْر وهم الّذين يتهافتون على يوم "الكَنْسَة" تهافُتَ الذّباب على الشّراب ؟! [يوم الكنسة -كما في حاشية الكتاب-: يوم يذهب فيه علماء الدين إلى ضريح الإمام الشافعي؛ للتبرك بكنس ترابه].

أم علماء الأَسِتانة وهم الّذين قتلوا جمال الدّين الأفغانِيّ فيلسوف الإسلام، وأحْيَوْا أبا الهدى الصيّادي شيخَ الطّريقة الرّفاعية ؟!

أم علماء العجم وهم الذين يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى البيت الحرام ؟!

أم علماء الهند وبينهم مثلُ مؤلّف ذلك الكتاب ؟!

يا قادةَ الأمّة ورؤساءَها، عَذَرْنا العامّة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا: إنّ       العامّي أقصرُ نظراً وأضعفُ إدراكاً من أن يتصوّرَ الألوهيّة إلاّ إذا رآها ماثلةً في النُّصُب والتّماثيل والأضرحة والقبور، فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله, وتقرؤون صفاتِه ونعوته, وتفهمون معنى قوله تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ} وقوله مخاطبا نبيَّه:{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} , وقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ؟!

إنّكم تقولون في صباحكم ومسائكم، وغُدوِّكم ورَواحكم:" كلُّ خيرٍ في اتّباعِ من سلفَ، وكلُّ شرٍّ في ابتِداعِ من خلف "، فهل تعلمون أنّ السّلف الصّالح كانوا يجصِّصون قبرا أو يتوسّلون بضريح ؟!

وهل تعلمون أنّ أحداً منهم وقف عند قبر النبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، أو قبْرِ أحدٍ من الصحابة وآلِ بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج كربة ؟!...

وهل تعلمون أنّ النبِيّ صلّى الله عليه وسلّم حينما نهى عن إقامةِ الصّور والتّماثيلِ نهى عنها عبثاً ولعباً أم مخافةَ أن تُعِيدَ للمسلمين جاهليّتَهم الأولى ؟! وأيّ فرق بين الصّور والتّماثيلِ وبين الأضرحة والقبور، ما دام كلّ منها يَجُرّ إلى الشّرك, ويفسد عقيدةَ التّوحيد ؟!

والله ما جهلتم شيئا من هذا، ولكنّكم آثرتم الدّنيا على الآخرة, فعاقبكم الله على ذلك بسَلْبِ نعمتِكم، وانتقاضِ أمرِكم، وسلَّطَ عليكم أعداءكم يسلبون أوطانَكم، ويستعبِدون رِقابَكم، ويخرِّبون ديارَكم، والله شديد العقاب " اهـ.

["النّظرات" (2/15-21)].



[1] وممّا أثار عجبي أنّه قد حدث لي الأمرُ نفسُه مع عجوزٍ مثل هذه في نهاية الثّمانينيّات، إلاّ أنّ ذلك حدث يومها عند ضريحٍ بالعاصمة !

]]>
قرأت لك Fri, 19 Oct 2018 19:49:46 +0000